الكواليس الخفية للمفاوضات بين لبنان والاحتلال الأميركي ـ الإسرائيلي
كتب الإعلامي حسين مرتضى
في الوقت الذي يتزايد فيه الحديث السياسي والإعلامي عن إمكانية الوصول إلى وقف لإطلاق النار على الجبهة اللبنانية، تبدو الصورة الفعلية أكثر تعقيداً مما يتم تداوله في العلن. فالمشهد الحالي لا يعكس فقط مساعي تهدئة دبلوماسية، بل يكشف أيضاً عن صراع إرادات حقيقي يجري في الكواليس بين محاولات فرض معادلات جديدة وبين تمسك المقاومة بثوابت تعتبرها غير قابلة للتفاوض.
المعطيات التي برزت خلال الأيام الأخيرة تشير إلى أن اتصالات مكثفة جرت بين الخارجية الأمريكية والجانب اللبناني خلال الأسبوع الماضي، في محاولة لتمرير صيغة تهدئة جزئية تقوم على مبدأ “المقايضة الميدانية”. العرض الأمريكي، وفق المعلومات المتداولة، تضمن وقف حزب الله استهداف المستوطنات الشمالية مقابل امتناع الاحتلال الإسرائيلي عن توسيع اعتداءاته باتجاه الضاحية الجنوبية لبيروت والعاصمة اللبنانية.
لكن هذا الطرح سقط سريعاً، بعدما قوبل برفض واضح من الرئيس نبيه بري وبالتنسيق الكامل مع قيادة المقاومة، انطلاقاً من اعتبار أساسي مفاده أن أي وقف لإطلاق النار لا يشمل الجنوب اللبناني بشكل كامل، هو عملياً محاولة لإدارة النار لا لإيقاف العدوان. بالنسبة للمقاومة، لا يمكن القبول بمعادلة تفصل بين بيروت والجنوب أو تحاول حماية العمق الإسرائيلي مقابل إبقاء الجنوب اللبناني تحت الضغط والاستهداف اليومي.
في موازاة ذلك، لعبت الرسائل الإيرانية الأخيرة دوراً محورياً في إعادة ضبط إيقاع التصعيد الإقليمي. فطهران لم تكتفِ بإطلاق مواقف سياسية عامة، بل تعمدت إيصال تهديدات مباشرة تتعلق بإمكانية توسيع المواجهة، سواء عبر فتح جبهات إضافية، أو تهديد الممرات المائية، أو حتى استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة في حال الذهاب نحو حرب شاملة.
هذه الرسائل، بحسب القراءة السياسية والعسكرية، دفعت واشنطن وتل أبيب إلى إعادة حساباتهما، وخففت منسوب الخطاب التصعيدي الذي كان سائداً خلال الأيام الماضية. وهنا تعود مجدداً معادلة “وحدة الساحات” لتفرض نفسها كعامل ردع أساسي، يؤكد أن أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة داخل الجغرافيا اللبنانية.
أما على مستوى العلاقة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، فإن ما يظهر في الإعلام من تباينات أو ضغوط متبادلة لا يبدو، وفق المعطيات، سوى جزء من عملية توزيع أدوار سياسية وإعلامية، شبيهة إلى حد بعيد بما جرى سابقاً خلال الحرب على غزة في عهد إدارة بايدن. فالتناقض الظاهري بين واشنطن وتل أبيب غالباً ما يُستخدم لإدارة الضغوط الدولية وشراء الوقت، وليس للدلالة على خلاف استراتيجي حقيقي.
في المقابل، تؤكد المقاومة، عبر القنوات الدبلوماسية التي يتولاها الرئيس نبيه بري بشكل أساسي، أن موقفها ثابت ولم يتغير: لا وقف جزئياً للنار، ولا تفاهمات موضعية، ولا استثناءات تتعلق بالضاحية أو بيروت أو أي منطقة لبنانية أخرى. المطلوب، من وجهة نظرها، هو وقف شامل وكامل للعدوان على كامل الأراضي اللبنانية، وأي صيغة أقل من ذلك تعني تكريس معادلات مرفوضة سياسياً وميدانياً.
وفي خضم هذه التطورات، يبرز سؤال أساسي حول دور السلطة اللبنانية الرسمية، التي تبدو حتى اللحظة عاجزة عن لعب دور مؤثر في مسار المفاوضات. فالحراك الرسمي اللبناني يظهر، وفق كثير من التقديرات، هامشياً وغير قادر على امتلاك أوراق ضغط فعلية، في وقت تتخذ فيه القرارات الكبرى ضمن توازنات إقليمية ودولية تتجاوز الحسابات التقليدية للدولة اللبنانية.
المرحلة الحالية تبقى شديدة الحساسية والدقة. فبرغم الحديث المتكرر عن التهدئة ووقف إطلاق النار، لا يزال الميدان مفتوحاً على احتمالات متعددة، مع استمرار الخروقات الإسرائيلية واستمرار المقاومة في التأكيد أن الرد سيبقى قائماً طالما لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل يوقف العدوان بشكل كامل وواضح.
المشهد اليوم ليس مشهد نهاية مواجهة، بل لحظة ترقب ثقيلة تتداخل فيها الرسائل العسكرية مع المناورات السياسية، فيما تبقى المنطقة بأكملها على إيقاع احتمالات مفتوحة لم تُحسم بعد.