بين مساري سويسرا وواشنطن: لبنان أمام اختبار السيادة أم فخ الإملاءات؟
الإعلامي حسين مرتضى
في الوقت الذي يترقب فيه اللبنانيون مصير الجنوب ومستقبل الاستقرار الهش على الحدود، تتقدم مسارات تفاوضية متعددة ترسم ملامح المرحلة المقبلة. غير أن التدقيق في طبيعة هذه المسارات يكشف وجود مقاربتين مختلفتين تماماً: الأولى انطلقت من سويسرا وأنتجت وقفاً لإطلاق النار، والثانية تدور في واشنطن وتحاول إعادة صياغة المشهد اللبناني وفق الشروط الأمريكية والإسرائيلية.
المسار الأول، المعروف بمسار سويسرا، يجري بين الولايات المتحدة وإيران برعاية ومتابعة من قطر وباكستان. وقد نجح هذا المسار في التوصل إلى مذكرة تفاهم تضم أربعة عشر بنداً، شكلت الأساس لوقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات وأمنت فترة الهدوء الحالية.
أهمية هذا المسار لا تكمن فقط في تثبيت وقف إطلاق النار، بل في توفير مظلة إقليمية ودولية تسمح بفرض انسحاب إسرائيلي استناداً إلى موازين القوى والوقائع التي فرضتها المواجهة الأخيرة.
في المقابل، يتحرك مسار واشنطن باعتباره مساراً مباشراً بين وفد السلطة اللبنانية والجانب الإسرائيلي، برعاية وزارة الخارجية الأمريكية ومشاركة القيادة المركزية الأمريكية. هذا المسار يركز على الملفات التقنية المعقدة المتعلقة بالحدود والانسحاب والترتيبات الأمنية، لكنه يحمل في طياته أبعاداً سياسية تتجاوز العناوين المعلنة.
ورغم محاولة بعض الجهات اللبنانية الفصل بين المسارين، فإن الواقع يؤكد أن كلاً منهما يؤثر في الآخر. فوقف إطلاق النار الذي أنتجه مسار سويسرا وفر بيئة ميدانية هادئة تسمح باستمرار التفاوض في واشنطن بعيداً عن ضغط العمليات العسكرية اليومية. إلا أن الخطورة تكمن في أن المفاوضات الجارية في العاصمة الأمريكية باتت تنزلق تدريجياً نحو التركيز على الأولويات الإسرائيلية، وفي مقدمتها ملف سلاح المقاومة، بدلاً من الانطلاق من أولوية لبنانية واضحة تتمثل في إلزام الاحتلال بانسحاب كامل وغير مشروط من الأراضي اللبنانية.
التسريبات المتعلقة بالجولة الخامسة من المفاوضات في واشنطن تكشف الكثير من طبيعة الضغوط الممارسة على لبنان. فالإدارة الأمريكية تدفع باتجاه إنشاء ما يسمى “المناطق النموذجية” أو “التجريبية” في الجنوب، حيث يجري تنفيذ انسحاب إسرائيلي جزئي مقابل انتشار مكثف للجيش اللبناني وآليات مراقبة صارمة لضمان خلو هذه المناطق من السلاح. وتُقدَّم هذه الخطة على أنها خطوة أولى لبناء الثقة، لكنها في جوهرها تؤسس لمعادلة جديدة تربط الانسحاب الإسرائيلي بشروط أمنية وسياسية تفرضها تل أبيب وواشنطن.
أما العقدة الأساسية فتتمثل في جدول الانسحاب. فالوفد اللبناني يطالب بجدول زمني واضح وشامل لإنهاء الاحتلال، بينما يصر الجانب الإسرائيلي على الاحتفاظ بقواته داخل ما يسميه “منطقة أمنية” في الجنوب إلى أجل غير محدد، تحت ذريعة حماية المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة.
في هذا السياق، تمارس واشنطن ضغوطاً متزايدة لربط أي انسحاب إسرائيلي بخطوات عملية تتعلق بسلاح المقاومة، ما يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة شديدة التعقيد بين المطالب الأمريكية ـ الإسرائيلية من جهة، والواقع السياسي والشعبي والوطني اللبناني من جهة أخرى.
أمام هذه الوقائع، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على أكثر من احتمال. السيناريو الأول يتمثل في القبول المرحلي بخطة المناطق التجريبية بهدف انتزاع انسحابات جزئية وتأمين عودة تدريجية للأهالي، مع انتشار الجيش اللبناني بدعم من قوات الأمم المتحدة. غير أن هذا الخيار يحمل تحديات أمنية وسياسية كبيرة، وقد يحول الجيش إلى طرف يواجه استحقاقات شديدة الحساسية على الأرض.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في وصول الضغوط الأمريكية والإسرائيلية إلى سقف المطالبة بنزع سلاح المقاومة كشرط مسبق لأي انسحاب، وهو ما سيقابل برفض واسع وقد يؤدي إلى تجدد التوترات والصدامات.
ويبقى السيناريو الأخطر هو انهيار المفاوضات بالكامل والعودة إلى مرحلة الاستنزاف المفتوح، بما يحمله ذلك من مخاطر على لبنان والمنطقة.
إن التجربة حتى الآن تشير إلى أن المسار الذي انطلق من سويسرا استطاع أن يحقق وقفاً لإطلاق النار ويفتح الباب أمام الانسحاب الإسرائيلي، بينما تبدو مفاوضات واشنطن أقرب إلى محاولة فرض شروط سياسية وأمنية جديدة على لبنان. ومن هنا، فإن المصلحة الوطنية تقتضي التمسك بأولوية الانسحاب الكامل وغير المشروط، وعدم السماح بتحويل أي مسار تفاوضي إلى منصة لفرض إملاءات من شأنها إحداث انقسام داخلي أو المساس بالسيادة الوطنية.
فالقضايا الخلافية الداخلية، وفي مقدمها الملفات الأمنية والاستراتيجية، تبقى شأناً لبنانياً يُناقش ضمن حوار وطني جامع، بعيداً عن الضغوط الخارجية ومحاولات استثمار نتائج الحرب لفرض وقائع سياسية جديدة على لبنان.