تخبط أمريكي وتصدّع في التحالفات… والمنطقة على أبواب تحولات كبرى
كتب الاعلامي حسين مرتضى
في خضم التصعيد المتسارع الذي تشهده المنطقة على خلفية المواجهة مع إيران، تتكشف يوماً بعد يوم ملامح مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي والدولي. فالمشهد لم يعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل بات يعكس تحولات أعمق في موازين القوى والتحالفات، ويفضح في الوقت نفسه حجم التخبط الذي تعانيه الإدارة الأمريكية في إدارة هذا الصراع.
من يتابع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلحظ بوضوح حجم التناقض في الخطاب السياسي والعسكري لواشنطن. فالرجل الذي أعلن مراراً القضاء على البرنامج النووي الإيراني وتدمير قدراته الصاروخية وحتى تحييد أسطوله البحري، عاد ليعترف بأن إسقاط النظام في إيران ليس بالأمر السهل، وأن الصواريخ الإيرانية ما زالت تُطلق وتصل إلى أهدافها.
هذا التناقض لا يمكن فصله عن سوء تقدير واضح لدى الإدارة الأمريكية لطبيعة الرد الإيراني، سواء لجهة القدرات العسكرية أو لجهة التكتيكات التي اعتمدتها طهران في استهداف القواعد الأمريكية وإرباك منظومات الدفاع في المنطقة، فضلاً عن الضربات التي طالت عمق الكيان الإسرائيلي.
في المقابل، تبدو دول الخليج أكثر حذراً في التعاطي مع هذا التصعيد. فرغم الضغوط الكبيرة التي مورست عليها لدفعها نحو الانخراط المباشر في المواجهة مع إيران، فضّلت هذه الدول الابتعاد عن خيار الحرب، إدراكاً منها أن الرهان الكامل على سياسات ترامب قد يتحول إلى مغامرة غير محسوبة العواقب سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
هذا الحذر الخليجي تجلّى أيضاً في الدعوات المتزايدة إلى الحلول الدبلوماسية، كما ظهر في مواقف دول مثل قطر وسلطنة عُمان، التي شددت على ضرورة خفض التصعيد والبحث عن مخارج سياسية للأزمة. وقد أدركت العديد من العواصم الخليجية أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة لم يعد بالضرورة عامل حماية، بل قد يتحول في بعض الأحيان إلى مصدر تهديد واستهداف مباشر.
ومن اللافت في هذا السياق أن إيران كانت قد وجّهت رسائل تحذير مبكرة إلى دول الخليج قبل اندلاع المواجهة، عبر قنوات دبلوماسية وزيارات رسمية، من بينها زيارة علي لاريجاني، حيث أكدت تلك الدول في حينه أنها لن تسمح باستخدام أراضيها كمنصة لأي عمل عسكري ضد طهران. غير أن الواقع كشف لاحقاً أن القواعد الأمريكية الموجودة في المنطقة استُخدمت بالفعل في الأيام الأولى من التصعيد.
على المستوى الدولي، بدأت ملامح التباعد داخل المعسكر الغربي بالظهور بوضوح. فالمواقف الأوروبية لم تعد منسجمة بالكامل مع الرؤية الأمريكية، إذ أبدت بعض الدول تحفظات واضحة على الانخراط في التصعيد العسكري.
فرنسا، على سبيل المثال، رفضت استخدام إحدى حاملات طائراتها في العمليات العسكرية، كما أظهرت إيطاليا تردداً في التجاوب مع الطلبات الأمريكية، فيما بدت مواقف دول أخرى مثل أستراليا وبريطانيا أكثر حذراً مما كانت عليه في أزمات سابقة.
هذا التباين يعكس مخاوف أوروبية حقيقية من الانزلاق إلى حرب واسعة في الشرق الأوسط، وهي حرب قد تحمل تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والاستقرار الدولي.
وفي موازاة ذلك، ظهرت مؤشرات أخرى على تصدع التحالفات التقليدية لواشنطن، من بينها قيام الهند – التي تعد من الشركاء المهمين للولايات المتحدة – بفتح قنوات تواصل مباشرة مع إيران، في خطوة تعكس إدراك العديد من الدول لأهمية الحفاظ على خطوط اتصال مع طهران في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.
أما على صعيد المسار السياسي، فقد برزت محاولات غربية لاستكشاف إمكانية فتح باب التفاوض مع إيران. وفي هذا الإطار، جرى تواصل بين وزير الخارجية الفرنسي ونظيره الإيراني للاستفسار عن شروط وقف الحرب.
لكن الرد الإيراني جاء واضحاً: الحديث عن الشروط سابق لأوانه. فطهران ترى أن المعركة لم تصل بعد إلى المرحلة السياسية، وأن ما يجري اليوم هو صراع ميداني مفتوح ستحدد نتائجه طبيعة أي مفاوضات محتملة في المستقبل.
كل هذه المعطيات تشير إلى أن المنطقة تقف أمام مرحلة مفصلية، حيث تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية والاقتصادية للقوى الدولية والإقليمية. وبين تخبط في القرار الأمريكي، وحذر خليجي، وتردد أوروبي، وتمسك إيراني بخيارات المواجهة، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات في السنوات القادمة.