تراجع الأهداف وتبدّل التكتيك: الميدان يفرض قواعده على جيش الاحتلال جنوباً

تراجع الأهداف وتبدّل التكتيك: الميدان يفرض قواعده على جيش الاحتلال جنوباً

 كتب الإعلامي حسين مرتضى

في قراءةٍ دقيقة لمجريات الميدان جنوب لبنان، يتضح أن ما يجري لم يعد مجرد جولة عسكرية عابرة، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لقدرة جيش الاحتلال على تحقيق أهدافه تحت ضغط مقاومة متماسكة وثابتة.

فالتقرير الميداني يكشف بوضوح عن تراجع ملحوظ في التكتيكات العسكرية الإسرائيلية، يقابله تعديل تدريجي في سقف الأهداف، بعدما اصطدم الاحتلال بواقع ميداني مختلف عمّا خطط له.

 تبدّل الاستراتيجية تحت الضغط لم يعد الحديث الإسرائيلي يدور حول توغلات عميقة أو سيطرة واسعة، بل انخفض سقف الطموح إلى عمليات محدودة لا تتجاوز بضعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

هذا التراجع لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة مباشرة لعجز القوات الإسرائيلية عن تثبيت مواقعها في القرى الحدودية، حيث تتحول كل نقطة تقدم إلى عبء ميداني مكلف. عقدة بنت جبيل: اشتباك مفتوح ومحاولات التفاف في القطاع الأوسط، وتحديداً في منطقة “مثلث التحرير” الذي يضم بنت جبيل وعيناثا وعيترون، تدور معارك عنيفة تعكس حساسية هذه الجبهة.

جيش الاحتلال، الذي يدرك كلفة الدخول المباشر إلى بنت جبيل، يحاول الالتفاف عبر بلدات دبل وإرشاف في محاولة لتطويق المدينة.

 إلا أن هذه المناورات لم تحقق أهدافها، حيث وقعت قواته في اشتباكات من “نقطة صفر” في بلدة بيت ليف، وأسفرت محاولات التسلل عن تدمير آليات عسكرية بفعل الكمائن المحكمة.

 القطاع الغربي: كمائن البياضة تُربك المشهد أما في المحور الغربي، الممتد بين شمع والبياضة، فقد سعى الاحتلال إلى السيطرة على تلال استراتيجية تمنحه تفوقاً نارياً.

غير أن الوقائع الميدانية جاءت معاكسة، إذ اصطدمت القوات الإسرائيلية بكمائن دقيقة في منطقة البياضة أوقعت قتلى وجرحى في صفوفها. ومع تصاعد القصف المركّز على تجمعاته، اضطرت قوات الاحتلال إلى التراجع نحو أطراف الناقورة، في مؤشر إضافي على صعوبة الاحتفاظ بأي تقدم ميداني.

 المحور الشرقي: استنزاف مستمر في القطاع الشرقي، الممتد من الخيام إلى كفركلا والعديسة والطيبة ودير سريان، تتواصل الاشتباكات بوتيرة عالية.

هنا تعتمد المقاومة تكتيك “حرب الاستنزاف”، عبر العبوات الناسفة والكمائن، واستهداف الجنود داخل تحصيناتهم، ما يحوّل أي تمركز إسرائيلي إلى هدف دائم.

 ضرب العمق والخطوط الخلفية لا تقتصر المواجهة على خطوط التماس، بل تمتد إلى عمق الكيان، حيث تواصل المقاومة قصف المستوطنات الحدودية والمواقع العسكرية بشكل يومي.

الأهم من ذلك هو التركيز على “الخطوط الخلفية”، التي تشكّل شريان الدعم اللوجستي للقوات المتقدمة، ما يضاعف الضغط على وحدات الاحتلال في الميدان.

 وفي تطور لافت، تحدث الإعلام الإسرائيلي عن استخدام صواريخ ثقيلة استهدفت مواقع حساسة في العمق، في سابقة تعكس اتساع دائرة الاشتباك. خلاصة: الميدان يفرض كلمته المحصلة النهائية لهذه الوقائع تشير إلى حقيقة أساسية: جيش الاحتلال لم ينجح حتى الآن في تثبيت أي موقع دخل إليه، فيما بات الميدان هو العامل الحاسم في رسم معالم المرحلة المقبلة.

 وفي ظل تصاعد الخلافات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حول جدوى توسيع العمليات، يبدو أن قواعد الاشتباك لم تعد تُرسم في غرف القرار، بل تُفرض من خطوط النار، حيث الكلمة الأولى والأخيرة للميدان.