كواليس الاتفاق الإيراني – الأمريكي: هل تقترب المنطقة من تسوية شاملة؟ وماذا عن لبنان؟

كتب الاعلامي حسين مرتضى

تعيش المنطقة في الأسابيع الأخيرة على وقع حراك دبلوماسي غير مسبوق، تتقاطع فيه الاتصالات الإقليمية والدولية حول مسار تفاوضي متقدم بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، وسط مؤشرات متزايدة توحي بأن الطرفين باتا أقرب من أي وقت مضى إلى تفاهم قد يترك آثاراً مباشرة على معظم ساحات الاشتباك في المنطقة، وفي مقدمتها لبنان.

المعطيات المتوافرة تشير إلى سلسلة تحركات سياسية وأمنية مكثفة شملت وساطات قطرية، واتصالات سعودية وباكستانية، إضافة إلى زيارة وفد أمني إماراتي إلى طهران، في إطار جهود متسارعة لتذليل العقبات المتبقية أمام الاتفاق المرتقب.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن الصيغة الأساسية للاتفاق جرى إنجازها منذ أسابيع عدة، بعد تبادل مستمر للملاحظات والتعديلات بين الجانبين، ما يعكس مستوى جدياً من التقدم في المفاوضات. ومع ذلك، يبقى الحذر واجباً في ظل التجارب السابقة مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ولا سيما أن طبيعة القرار السياسي في واشنطن لا تزال عرضة للتقلبات والحسابات الداخلية.

ثلاثة عناوين أساسية

المعطيات المتداولة تفيد بأن المرحلة الأولى من الاتفاق تستند إلى ثلاثة عناوين رئيسية تشكل المدخل الإلزامي لأي تفاهم شامل.

العنوان الأول يتمثل في وقف القتال على مختلف الجبهات، حيث لا يدور الحديث عن هدنة مؤقتة أو وقف إطلاق نار محدود، بل عن مقاربة أوسع تقوم على إغلاق ساحات المواجهة وتهيئة الظروف لمرحلة أكثر استقراراً.

أما العنوان الثاني فيرتبط بالشق المالي، وتحديداً الأموال الإيرانية المجمدة. وفي هذا السياق طُرحت صيغة قطرية تقوم على دفع جزء من هذه الأموال لإيران خلال المرحلة الأولى، على أن تستعيد الدوحة هذه المبالغ لاحقاً من الولايات المتحدة. كما تتحدث تسريبات عن مساهمة إماراتية محتملة في معالجة هذا الملف عبر الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة لديها.

العنوان الثالث يتعلق بـ مضيق هرمز، حيث يجري العمل على وضع ترتيبات واضحة تضمن أمن الملاحة وحرية الحركة في أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة والتجارة العالمية.

النووي والصواريخ

في الملف النووي، تشير المعلومات إلى أن الجوانب التقنية المرتبطة بنسبة تخصيب اليورانيوم ومستقبل البرنامج النووي ستُبحث خلال فترة انتقالية تمتد لنحو ستين يوماً بعد توقيع الاتفاق.

لكن الثابت في الموقف الإيراني هو رفض أي طرح يقضي بنقل اليورانيوم المخصب إلى خارج الأراضي الإيرانية، باعتبار ذلك مساساً بالسيادة الوطنية وبالحقوق التي تكفلها القوانين الدولية.

أما البرنامج الصاروخي الإيراني، فلا يزال خارج دائرة التفاوض بشكل كامل. فطهران تعتبر أن قدراتها الصاروخية جزء لا يتجزأ من أمنها القومي ومنظومتها الدفاعية، وبالتالي لا يمكن أن تكون مادة للنقاش أو المساومة.

وفي موازاة ذلك، تسعى إيران إلى منح أي اتفاق بعداً قانونياً دولياً من خلال مجلس الأمن، بما يتيح إلغاء منظومة العقوبات السابقة ويفتح الباب أمام عودة الاستثمارات الأجنبية والشركات الدولية، مستفيدة من التحولات الدولية ومن الدعم الروسي والصيني داخل المجلس.

لبنان داخل الاتفاق

في ما يتعلق بالساحة اللبنانية، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالمعطيات المتوافرة تؤكد أن لبنان ليس ملفاً جانبياً أو تفصيلاً يمكن تأجيله، بل يشكل بنداً أساسياً ضمن التفاهمات المطروحة.

وتشير المعلومات إلى أن إيران أبلغت قيادة المقاومة في لبنان بمسار المفاوضات، وأن أي اتفاق لا يتضمن معالجة واضحة للملف اللبناني ووقفاً شاملاً للقتال لن يكون قابلاً للتوقيع.

وفي هذا الإطار، تتمسك المقاومة بخمسة عناوين تعتبرها مترابطة وغير قابلة للتجزئة:

  1. وقف شامل ونهائي للقتال.
  2. انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية.
  3. عودة الأهالي والنازحين إلى قراهم ومناطقهم.
  4. إطلاق مسار إعادة الإعمار.
  5. معالجة ملف الأسرى.

ومن هنا يأتي الرفض القاطع لأي حديث إسرائيلي عن ما يسمى “حرية الحركة” أو “حرية التحرك” داخل الأراضي اللبنانية، إذ تعتبر المقاومة أن هذا الطرح يعني عملياً منح الاحتلال حق الاعتداء الدائم، وهو أمر مرفوض بشكل كامل.

وحدة الساحات ومعادلات القوة

على مستوى الجبهات الأخرى، تبدو الصورة مترابطة إلى حد بعيد. فالملف اليمني حاضر ضمن النقاشات الجارية، سواء من زاوية فك الحصار أو معالجة الأبعاد الاقتصادية المرتبطة به، بالتوازي مع الحراك السعودي.

أما غزة، فتبقى جزءاً أساسياً من أي مقاربة تتحدث عن إنهاء شامل للقتال في المنطقة، رغم محاولات بعض الأطراف الفصل بين المسارات المختلفة.

وفي الشمال السوري، تشير الوقائع إلى أن تركيا لا تزال اللاعب الأكثر تأثيراً، وأن الرسائل الإيرانية التي وصلت إلى أنقرة حملت تحذيرات واضحة من أي خطوات قد تؤدي إلى فتح جبهة جديدة تخدم المصالح الإسرائيلية.

رسائل ما بعد التفاوض

في موازاة المسار السياسي، لا تغيب رسائل القوة الميدانية. فالفيديوهات والتسجيلات التي ظهرت أخيراً لعدد من قيادات محور المقاومة حملت، وفق قراءات متعددة، إشارات واضحة إلى أن خيارات المواجهة لا تزال قائمة إذا ما وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود.

وتتلخص الرسالة الأساسية بأن الممرات البحرية الاستراتيجية وحقول النفط والغاز في المنطقة، بما فيها حقل كاريش ومضيق هرمز، تبقى ضمن أوراق الضغط القادرة على تغيير قواعد الاشتباك إذا فشلت جهود التفاهم.

وبين منطق التسوية ومنطق القوة، تقف المنطقة أمام مرحلة مفصلية قد تحدد شكل التوازنات الإقليمية لسنوات طويلة. فإما أن تنجح الدبلوماسية في إنتاج اتفاق يفتح الباب أمام استقرار واسع، وإما أن تعود ساحات المنطقة إلى اختبار معادلات الردع والمواجهة من جديد.