كيف فرضت طهران معادلة “العتمة” وأجبرت ترامب على طلب الصفقة؟
كتب الاعلامي حسين مرتضى
في اللحظات الأخيرة التي سبقت انتهاء مهلة الـ 48 ساعة، وبينما كان العالم يترقب صعود ألسنة اللهب من محطات الطاقة الإيرانية، اختار الرئيس دونالد ترامب منصته “تروث سوشيال” ليعلن عن تحول دراماتيكي: تأجيل الضربة لمدة خمسة أيام.
هذا الإعلان ليس مجرد “إعادة ضبط” للساعة الزمنية، بل هو اعتراف صريح ببدء انكسار موجة “الضغوط القصوى” أمام صخرة الردع الميداني. فما الذي أجبر سيد البيت الأبيض على استبدال لغة “السحق” بحديث ناعم عن “محادثات مثمرة وبناءة”؟ وكيف تمكنت طهران من قلب الطاولة وفرض شروطها؟
فشل الابتزاز الطاقي: حين انتصرت “الكهرباء”
لقد حاول ترامب استخدام سلاح “الطاقة” كأداة لتركيع طهران، مهدداً بإغراقها في عتمة شاملة، لكنه اصطدم بواقع استراتيجي لم يتحسب له كفاية. الرد الإيراني الذي انتقل من الأروقة السياسية إلى الميدان، رسم معادلة “العتمة المتبادلة”؛ فاستهداف محطات “كرج” أو “خوزستان” يعني بالضرورة إطفاء الأنوار في القواعد الأمريكية وشل محطات التحلية في المنطقة بأكملها. هذا “التوازن في الرعب البنيوي” هو الذي كسر نصل التهديد الأمريكي وأجبر واشنطن على التراجع.
رعب الأسواق: ترامب يهرب من “مقصلة النفط”
مع وصول أسعار النفط إلى عتبة 100 دولار للبرميل، أدركت إدارة ترامب أن المضي قدماً في التصعيد سيعني انتحاراً اقتصادياً في الداخل الأمريكي. فالرئيس الذي وعد ناخبيه بالرخاء، وجد نفسه أمام “مقصلة” أسعار الوقود التي كادت أن تطيح بشعبيته. هذا الضغط الاقتصادي جعل من “تراجع ترامب” ضرورة انتخابية وسياسية، وجعل من البحث عن “صفقة” مع طهران مخرجاً وحيداً لتجنب كارثة عالمية.
شروط طهران: التفاوض من موقع القوة
حديث ترامب عن محادثات “جيدة للغاية” يكشف أن القنوات الخلفية لم تعد تبحث عن “استسلام إيراني”، بل عن “تفاهمات ضرورية” تطلبها واشنطن. يبدو أن طهران نجحت في فرض شروطها التي تبدأ بوقف التهديدات العسكرية المباشرة مقابل “تنظيم” حركة الملاحة في مضيق هرمز، وليس التخلي عنها. الخمسة أيام القادمة هي “مهلة اختبار” تقدمها طهران لواشنطن، لتثبت الأخيرة جديتها في الدخول في صفقة تحترم الخطوط الحمراء الإيرانية.
الخلاصة:
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن لغة التهديد وحدها لا تصنع واقعاً في الشرق الأوسط. ترامب “المفاوض” وجد نفسه مضطراً لطلب الصفقة بعدما تيقن أن كلفة الحرب العسكرية والاقتصادية ستكون باهظة جداً. المنطقة اليوم لا تشهد تأجيلاً لضربة فحسب، بل تشهد ترسيخاً لقواعد اشتباك جديدة، عنوانها الأبرز: “من يملك القدرة على إظلام المنطقة، يملك القدرة على فرض شروطه في أي طاولة مفاوضات”.
السؤال الآن: هل سيلتزم ترامب بشروط “الصفقة” المقترحة، أم أن تراجعه التكتيكي هو مجرد محاولة لامتصاص غضب الأسواق قبل جولة تصعيد جديدة؟