هرمز والحصار والردع الجديد: كيف تستعد إيران للجولة المقبلة؟

كتب الاعلامي حسين مرتضى

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتجاوز الحسابات الإيرانية حدود المواجهة العسكرية المباشرة لتلامس منظومة كاملة من عناصر القوة: الاقتصاد، والممرات البحرية، والدبلوماسية، والأمن، والاستخبارات، والإعلام. وما تكشفه القراءة الإيرانية لا يقتصر على تقدير احتمالات اندلاع جولة جديدة من الحرب، بل يقدم تصوراً متكاملاً لطبيعة المرحلة المقبلة وشروطها وأدواتها.

المسألة، وفق هذه الرؤية، لم تعد مرتبطة بسؤال: هل تقع الحرب أم لا؟ بل أصبحت أقرب إلى سؤال: متى ترى واشنطن و“إسرائيل” أن الظروف أصبحت مناسبة لشن جولة جديدة، وهل تستطيع إيران منع الوصول إلى هذه اللحظة عبر بناء ردع متعدد المستويات؟

الحرب المقبلة… مسألة توقيت لا احتمال

التقدير الإيراني ينطلق من فرضية مفادها أن جولة جديدة من المواجهة العسكرية أصبحت احتمالاً مرتفعاً، وأن توقيتها يرتبط بثلاثة مؤشرات أساسية لدى الطرف المقابل.

أولها، الوصول إلى مستوى من الجاهزية الميدانية يسمح بتحقيق الأهداف الموضوعة. وثانيها، امتلاك استراتيجية واضحة للحد من حجم وتأثير الرد الإيراني. وثالثها، الاعتقاد بأن الداخل الإيراني قادر على تحمل الضربة وتداعياتها.

وهنا تظهر نقطة جوهرية في التفكير الإيراني: الحرب لا تُقاس فقط بحجم الضربة الأولى، وإنما بقدرة كل طرف على إدارة ما بعدها.

ومن هذا المنطلق، تبدو معادلة الردع الجديدة أوسع من الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات العسكرية. فإيران، وفق هذا التقييم، تعمل على دمج الأدوات العسكرية بالدبلوماسية والأمن والاستخبارات والإعلام والاقتصاد، بهدف جعل أي قرار بالهجوم محفوفاً بأثمان مرتفعة ومتعددة الاتجاهات.

فالردع، في هذه المعادلة، لا يعني امتلاك القدرة على الرد فقط، بل إقناع الخصم مسبقاً بأن كلفة الحرب قد تتجاوز بكثير النتائج التي يتطلع إلى تحقيقها.

تفاهم إسلام آباد… ورقة لم تُغلق

في ملف مضيق هرمز، تبرز مسألة ما يُعرف بـ“تفاهم إسلام آباد” باعتبارها إحدى الأوراق التي تحتفظ بها طهران في إطار إدارة الأزمة.

وتقول القراءة الإيرانية إن الالتزام الأساسي المتعلق بالمضيق كان مرتبطاً بترتيبات محددة، وإن عدم التزام الجانب الأمريكي بما تعتبره طهران تعهداته يجعل إيران غير ملزمة عملياً بالاستمرار في تنفيذ البنود من جانب واحد.

وهنا تعتمد طهران مبدأ الخطوة مقابل الخطوة، أي أن أي تنازل أو إجراء إيراني ينبغي أن يقابله إجراء مقابل من الطرف الآخر.

لكن الأهم أن إيران لا تنظر إلى هذا التفاهم باعتباره ورقة منتهية، بل كأداة يمكن إعادة استخدامها في أي مفاوضات مقبلة. وبالتالي، فإن إبقاء الباب القانوني والسياسي مفتوحاً قد يكون جزءاً من استراتيجية أوسع تقوم على عدم استنفاد أوراق التفاوض قبل الوصول إلى لحظة التسوية النهائية.

الحصار بالحصار… عندما يتحول البحر إلى ساحة اشتباك اقتصادي

في الجانب الاقتصادي، تبدو معادلة “الحصار بالحصار” واحدة من أكثر الأفكار وضوحاً في التصور الإيراني.

فإذا كانت واشنطن قادرة على استخدام قوتها البحرية لمحاولة التضييق على صادرات النفط الإيرانية ووارداتها، فإن طهران، بحسب هذا المنطق، تستطيع استخدام موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها الإقليمية للبحث عن طرق بديلة، سواء عبر الممرات البرية أو المنافذ الشمالية والشرقية والغربية.

ولا يعني ذلك أن الحصار يصبح بلا تأثير، بل إن الهدف هو تقليص فعاليته وتحويله من أداة ضغط أحادية الاتجاه إلى معركة اقتصادية متبادلة.

الأكثر أهمية أن إيران تلوّح، وفق هذه القراءة، بإمكانية توسيع نطاق التأثير ليشمل الدول التي تستفيد من استمرار حركة التجارة والطاقة في المنطقة.

وهنا تتحول الجغرافيا إلى سلاح: من يمتلك القدرة على التحكم بالممرات لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاقها بالكامل كي يفرض معادلة سياسية؛ يكفي أحياناً أن يجعل استمرار الحركة مرتبطاً بشروط جديدة.

أوكرانيا… من الجبهة الأوروبية إلى الممرات الإيرانية

أما دخول أوكرانيا على خط هذه المواجهة، فتقرأه طهران ضمن سياق أوسع من الحرب الأوروبية.

فوفق الرؤية الإيرانية، لا ينحصر الدور الأوكراني في البعد العسكري المباشر، بل يرتبط بمحاولة الضغط على طرق التجارة والممرات الشمالية التي يمكن أن تستخدمها إيران لتجاوز الضغوط البحرية والعقوبات.

وهذا يعني أن الصراع لم يعد محصوراً في الخليج أو الشرق الأوسط، بل بات يمتد إلى شبكة الممرات التجارية التي تربط إيران بآسيا وأوروبا.

ومن هنا تأتي أهمية تطوير تحالفات وشراكات جديدة بالنسبة إلى طهران، ليس فقط لتأمين الدعم السياسي، بل أيضاً لبناء بدائل اقتصادية وأمنية تجعل سياسة الخنق الجغرافي أقل فاعلية.

مضيق هرمز… ما بعد الحرب لن يكون كما قبلها

يبقى مضيق هرمز العقدة الأكثر حساسية في هذه المعادلة.

فالمضيق لا يمثل مجرد ممر مائي، بل شرياناً أساسياً لجزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. ولهذا فإن أي تغيير في قواعد الملاحة داخله ستكون له انعكاسات تتجاوز إيران ودول الخليج لتصل إلى الأسواق العالمية.

وبحسب التقييم الإيراني، فإن المشاريع التي يجري العمل عليها لإنشاء خطوط أنابيب وممرات برية بديلة لن تكون قادرة بالكامل على إلغاء أهمية المضيق، إذ ستبقى كميات كبيرة من النفط والسلع بحاجة إلى المرور عبره.

لكن المفاجأة الأساسية تكمن في تصور “اليوم التالي” للحرب.

فإذا خرجت إيران من المواجهة وهي ترى أنها نجحت في تثبيت معادلة جديدة، فإن العودة إلى قواعد الملاحة السابقة قد لا تكون تلقائية. وقد تسعى طهران إلى فرض ترتيبات جديدة تتعلق بالرسوم والضوابط الأمنية وآليات المرور.

وهنا تصبح المفاوضات مع سلطنة عمان ذات أهمية خاصة، باعتبارها قناة يمكن أن تساهم في تنظيم الجوانب الإدارية للملاحة، بعيداً عن محاولة فرض إدارة أمريكية مباشرة على المضيق.

تركيا وباكستان والسعودية… تحالف المصالح لا تحالف الحرب

في المقابل، تنظر طهران بحذر إلى ما يوصف بالتحالف الثلاثي الذي يضم تركيا وباكستان والسعودية.

التقدير الإيراني لا يفترض بالضرورة أن هذه الدول ستدخل في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران خدمةً لمصالح واشنطن أو أي طرف آخر. بل ترى طهران أن الحسابات الواقعية لهذه الدول ستبقى محكومة بمصالحها الوطنية والاقتصادية والأمنية.

أما تركيا وباكستان، فتعتبر القراءة الإيرانية أن هامش مشاركتهما العسكرية المباشرة يبقى محدوداً، فيما يمكن أن تستفيد بعض الأطراف اقتصادياً من مرحلة التوتر عبر تجارة السلاح والمعدات والتكنولوجيا العسكرية.

لكن الأهم في هذه التحالفات، وفق القراءة الإيرانية، أنها تعكس شيئاً أعمق: المنطقة لم تعد تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الوحيد للأمن الإقليمي.

فالدول الإقليمية باتت تبحث عن تنويع خياراتها، وتوسيع علاقاتها مع قوى دولية وإقليمية أخرى، وامتلاك هامش مناورة أكبر بعيداً عن الاصطفاف الكامل خلف قوة واحدة.

الردع الإيراني… معركة تتجاوز الصواريخ

في المحصلة، تكشف هذه الرؤية عن انتقال التفكير الإيراني من مفهوم الردع التقليدي إلى مفهوم أكثر شمولاً.

إيران لا تتحدث فقط عن قدرتها على الرد العسكري، وإنما عن قدرتها على إدارة الجغرافيا والاقتصاد والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية والأدوات الدبلوماسية في وقت واحد.

وهذا تحديداً ما يجعل الحسابات الأمريكية و“الإسرائيلية” أكثر تعقيداً.

فأي حرب مقبلة، وفق هذا التصور، لن تكون مواجهة بين جيشين داخل مساحة جغرافية محددة، بل صراعاً متعدد الجبهات، تبدأ إحدى ساحاته بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وتمتد أخرى إلى البحر والطاقة والتجارة والممرات الدولية والأسواق والاتصالات والتحالفات.

ولهذا فإن معركة هرمز، في جوهرها، ليست معركة مضيق فقط، كما أن معركة الحصار ليست معركة اقتصاد فقط. إنها معركة على شكل النظام الإقليمي الذي سيولد بعد المواجهة.

والرسالة الإيرانية الأساسية تبدو واضحة: إذا كانت واشنطن و“إسرائيل” تراهنان على أن الحرب يمكن أن تكون محدودة ومسيطراً عليها، فإن طهران تعمل على جعل أي مواجهة مقبلة مفتوحة على مساحات أوسع من الحسابات، بحيث لا يستطيع الطرف المهاجم تحديد حدود المعركة أو نهايتها منفرداً.

وهنا تحديداً يكمن جوهر الردع الجديد: ليس في منع الحرب بالقوة فقط، وإنما في جعل قرار إشعالها أصعب، وكلفتها أعلى، ونتائجها أقل قابلية للتحكم.