أنفاس الجبال: حين تُعيد الأرض ترتيب حكايتها
كتب الاعلامي حسين مرتضى
تحت جنح الليل الذي كان يلملم أذياله من فوق جبال اليمن الشاهقة، لم تكن الريح هذه المرة تطير بالرمل وحده، بل كانت تحمل معها صداها القديم: صوت الوقع الشديد لأقدام تثبت في الأرض، وأخرى تتراجع مسرعة.
كانت الخارطة تتغير كشريط من الضوء والظلال. مسافات شاسعة، تُقاس بآلاف الكيلومترات، عادت تتنفس من جديد بعد سنوات من الصمت والترقب.
من التباب الاستراتيجية التي طالما كانت حارساً ساهراً، إلى الشعاب والوديان التي حفظت خطى الأجداد، كانت الحكاية تُكتب في ساعات قليلة وكأنها اختصار لدهر كامل.
على أطراف الطريق العام، تقف دريئة إسمنتية قديمة شهدت فصولاً طويلة من الصراع. اليوم، كانت أضواء المركبات المغادرة تتوارى سريعاً في أفق الصحراء، تاركة خلفها أمتعة مُعجلة، وآثار إطارات غائرة في الرمال، وراء مجموعات اختارت الانسحاب والابتعاد مع كل خطوة تتقدم فيها القوات الآتية من قلب صنعاء.
من بين الدخان المتصاعد من المعسكرات والتباب المفتوحة، كان أحد السكّان الكبار في السن يرقب المشهد من شرفة بيته الحجري العتيق.
أخرج من جيبه غليونه القديم، ونظر إلى الخارطة الممتدة أمامه؛ لم تكن بالنسبة له مجرد أرقام أو كيلومترات تُحرر، بل كانت عودة لمواقع استراتيجية تحكم شريان المكان وتُعيد ترتيب المشهد برامته.
يقول الأثر الذي أتركه الغبار المتصاعد على القمم: إن الأرض تعرف أهلها، وإن التحولات الكبرى لا تحتاج أحياناً سوى لموقف ثقيل، يغير وجه التوازنات في لحظات خاطفة، لتستقر السيطرة وتعود المناطق إلى ما يراه أصحابها نصاباً طبيعياً للشرعية والسيادة.