إسلام آباد بين التعثّر والتصعيد: مفاوضات على حافة الانفجار… ولبنان في قلب الاشتباك

إسلام آباد بين التعثّر والتصعيد: مفاوضات على حافة الانفجار… ولبنان في قلب الاشتباك

كتب الإعلامي حسين مرتضى

لم تكن مفاوضات إسلام آباد مجرد محطة تفاوضية عابرة، بل شكّلت اختبارًا حقيقيًا لميزان القوى في المنطقة، وكشفت بوضوح حجم التعقيدات التي تحكم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وانعكاساتها المباشرة على ساحات الاشتباك، وفي مقدّمها لبنان.

على مدى 21 ساعة متواصلة، جلس الطرفان إلى طاولة واحدة بتمثيل رفيع المستوى، في مؤشر على جدية المسار التفاوضي، لا سيما من الجانب الإيراني. إلا أن هذه الجدية اصطدمت سريعًا بسقف الشروط الأمريكية، التي بدت أقرب إلى صيغة “الإملاء” منها إلى منطق التفاوض. فواشنطن لم تكتفِ بالمطالبة بنقل اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى خارج إيران، بل ذهبت أبعد من ذلك، عبر السعي لوقف كامل لعمليات التخصيب، حتى تلك المخصصة للأغراض السلمية، وهو ما اعتبرته طهران مساسًا مباشرًا بسيادتها.

ولم يتوقف الأمر عند الملف النووي، بل امتد ليطال أحد أهم مفاتيح القوة الجيوسياسية في المنطقة: مضيق هرمز. إذ سعت الولايات المتحدة، وفق المعطيات، إلى فرض نوع من السيطرة على هذا الشريان الحيوي، بما يقيّد قدرة إيران على استخدامه كورقة ضغط مالية واستراتيجية. وهو ما فتح الباب أمام تصعيد غير مسبوق في التهديدات، خصوصًا مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه فرض حصار على المضيق وملاحقة السفن الإيرانية.

في هذا السياق، تتبلور ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمواجهة.

الأول، وهو الأخطر، يتمثل في الانزلاق نحو حرب شاملة، قد تشعلها شرارة اعتراض سفينة إيرانية أو استهداف منشآت طاقة داخل إيران.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على إمكانية الوصول إلى “اتفاق اللحظة الأخيرة”، حيث يدفع إدراك كلفة الحرب الباهظة الطرفين إلى العودة لمفاوضات تقنية تُبقي على الحد الأدنى من التوازن.

فيما يبقى السيناريو الثالث الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، وهو الاشتباك المحدود في مضيق هرمز، عبر احتكاكات بحرية مدروسة، ترافقها ضغوط اقتصادية متواصلة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

لكن ما يجري في إسلام آباد لا يمكن فصله عن الميدان، وتحديدًا في جنوب لبنان، حيث تتقاطع السياسة بالنار. فمعركة بنت جبيل، بما تحمله من رمزية، تحوّلت إلى هدف معنوي للاحتلال الإسرائيلي، الذي سعى إلى تحقيق إنجاز ميداني يُترجم سياسيًا قبل أي استحقاق تفاوضي.

وتشير المعطيات إلى أن بنيامين نتنياهو كان يخطط للوصول إلى ساحة المدينة أو ملعبها لالتقاط “صورة نصر”، مستندًا إلى قصف كثيف، بما في ذلك استخدام الفوسفور، لتأمين هذا الظهور.

غير أن حسابات الميدان خالفت الرغبات السياسية. فكمائن المقاومة، واستهداف الدبابات في محيط بنت جبيل وأفيفيم، أسقطت هذا السيناريو، ومنعت نتنياهو من تحقيق هدفه، ليكتفي بإطلالة من خلف الحدود، في مشهد يعكس بوضوح حدود القوة الإسرائيلية أمام معادلات الميدان.

وفي عمق هذه المشهدية، يبرز الترابط العضوي بين جبهة لبنان ومسار المفاوضات مع إيران.

فوقف إطلاق النار في الجنوب لم يكن تفصيلًا، بل شكّل أحد المطالب الأساسية لطهران، في حين حاولت واشنطن الالتفاف على هذا الشرط عبر طرح مسار تفاوضي لبناني–إسرائيلي مباشر، بما يفصل بين الساحتين ويُضعف أوراق الضغط الإيرانية.

أما على المستوى العسكري، فقد جاءت رسائل “مقر خاتم الأنبياء” واضحة وحاسمة: إيران لن تسمح بتغيير قواعد الاشتباك في مضيق هرمز، وأي اقتراب من خطوطها الحمراء سيُواجه برد مباشر. وقد تجلّى ذلك في إنذار صريح لبارجة أمريكية بضرورة الابتعاد خلال مهلة زمنية محددة، في مؤشر على جدية الاستعداد للمواجهة.

في المحصلة، تبدو المنطقة أمام لحظة مفصلية: مفاوضات متعثرة، تهديدات متصاعدة، وميدان يفرض كلمته.

وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح الدبلوماسية في احتواء الانفجار، أم أن شرارة هرمز ستشعل ما هو أبعد من المضيق؟