الجولاني “أداة” إسرائيلية.. ولبنان أمام مواجهة مصيرية لحفظ الكرامة والأعراض
كتب الاعلامي حسين مرتضى
يمرّ لبنان اليوم بواحدة من أخطر مراحله التاريخية، ليس فقط بفعل العدوان الإسرائيلي المستمر، بل أيضاً نتيجة غياب الرؤية الحكيمة لدى بعض القوى في الداخل، ومحاولات الزجّ بمؤسسات الدولة في صراعات قد تؤدي إلى صدام داخلي لا يخدم سوى أجندات خارجية. ما يجري اليوم يتجاوز كونه مواجهة عسكرية عابرة؛ إنه معركة وجود وكرامة وعزّة.
تحالف الجولاني والاحتلال: مسيّرات وسيناريوهات مشبوهة
تتداول معلومات خطيرة حول نقل أعداد من الطائرات المسيّرة ومجموعات من المسلحين الأجانب التابعين لـ”هيئة تحرير الشام” بقيادة أبو محمد الجولاني إلى المناطق الحدودية السورية – اللبنانية. وفي هذا السياق، يثير إعلان الجولاني استعداده لـ”مساندة الجيش اللبناني” كثيراً من التساؤلات، خصوصاً أن هذه الجماعات نفسها سبق أن تورطت في استهداف الجيش اللبناني وقتل عناصره خلال السنوات الماضية.
إن هذه المجموعات ليست سوى أدوات تُحرَّك ضمن سياق إقليمي تقوده إسرائيل بدعم أمريكي. وما جرى من محاولات تسلل وإنزالات جوية في مناطق مثل النبي شيث وسرغايا يشير إلى مستوى عالٍ من التنسيق العملياتي، حيث استُخدمت مروحيات عسكرية إسرائيلية في أجواء بدت مؤمَّنة بالكامل. وفي هذا الإطار، تبدو بعض التحركات وكأنها محاولة لفتح جبهات توتر جديدة في خاصرة لبنان الشرقية.
المؤسسة العسكرية والقضاء: محاولات التهشيم وإثارة الفتنة
في الداخل اللبناني، تبرز مؤشرات مقلقة لمحاولات دفع الجيش اللبناني نحو مواجهة مع شريحة واسعة من المجتمع، في لحظة حساسة يتعرض فيها البلد لاعتداء خارجي. ويجري ذلك بالتوازي مع حملات سياسية وإعلامية تدعو إلى نزع سلاح المقاومة في ذروة المواجهة، إضافة إلى ضغوط تستهدف تغيير قيادات عسكرية أو التأثير على قرارات القضاء العسكري.
هذه المسارات، إن استمرت، قد تؤدي إلى إضعاف ما تبقى من مؤسسات الدولة. وفي المقابل، يبدو أن قيادة الجيش تتعامل بحذر وحكمة مع هذه الضغوط، مدركة أن المؤسسة العسكرية هي جزء من نسيج المجتمع اللبناني، وأن توجيه السلاح إلى الداخل لن يخدم سوى المشاريع التي تسعى إلى تفكيك لبنان من الداخل.
كما أن استهداف القضاء أو تسييسه في بعض الملفات الحساسة يعمّق أزمة الثقة بالمؤسسات، ويعطي انطباعاً بأن هناك مساعي لإضعاف ركائز الدولة واحدة تلو الأخرى.
ميدان الجنوب: المقاومة ترمّم نفسها وتفرض المعادلات
رغم ما يُروَّج له في بعض الأوساط عن انتهاء دور المقاومة، فإن التطورات الميدانية تشير إلى صورة مختلفة. فالمواجهات في الجنوب أظهرت قدرة على إعادة تنظيم الصفوف وترميم البنية الميدانية، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.
وبعد انسحاب الجيش اللبناني من بعض المناطق جنوب الليطاني بقرار سياسي، بقي الأهالي والمقاومون متمسكين بأرضهم وقراهم. وتشير المعطيات الميدانية إلى عمليات استهداف لدبابات وآليات عسكرية إسرائيلية، إضافة إلى تطور في معادلات الردع التي باتت تمتد إلى العمق الإسرائيلي.
هذه المواجهة لم تكن خياراً بالنسبة لكثير من اللبنانيين بقدر ما فُرضت عليهم نتيجة الاعتداءات المتكررة. ومن هنا، يتصاعد النقاش حول كيفية حماية السيادة اللبنانية وصون كرامة المواطنين وخصوصيتهم في ظل استمرار الخروقات الجوية والاستهدافات.
إيران بعد الخامنئي: اختبار للتماسك الداخلي
على المستوى الإقليمي، شكل اغتيال الامام السيد علي الخامنئي لحظة مفصلية في المنطقة. وقد راهنت بعض القوى الدولية على أن يؤدي هذا الحدث إلى إحداث شرخ داخل النظام الإيراني.
غير أن التطورات اللاحقة أظهرت قدراً كبيراً من التماسك المؤسساتي، مع انتخاب قيادة جديدة من قبل مجلس الخبراء، وما تبعه من إعلان ولاء من المؤسسات العسكرية والأمنية. ويُقرأ هذا المشهد في طهران على أنه رسالة مفادها أن بنية النظام لا تعتمد على شخص واحد بقدر ما تقوم على منظومة مؤسساتية وعقائدية متماسكة.
معركة مصيرية
في المحصلة، يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما فرض وقف العدوان والالتزام بالقرارات الدولية بما يسمح بعودة الأهالي إلى قراهم بكرامة وأمان، أو استمرار المواجهة المفتوحة حتى يقتنع الاحتلال بأن هذا البلد، رغم أزماته، ليس لقمة سائغة.
إن كرامة الشعوب ليست تفصيلاً في معادلات السياسة، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه قدرة الدول على الصمود. وفي لبنان، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.