العدوان المستمر على إيران: تراجع تكتيكي أم إعادة تموضع؟

العدوان المستمر على إيران: تراجع تكتيكي أم إعادة تموضع؟

لم يكن العدوان على إيران يومًا حدثًا عابرًا، ولن يكون توقفه الكامل خيارًا مطروحًا في الاستراتيجية الأميركية. ما نشهده اليوم لا يمكن توصيفه إلا كتراجع تكتيكي مؤقت، فرضته معادلات ميدانية وأمنية معقّدة، وليس تحولًا جذريًا في السلوك الأميركي. فالولايات المتحدة ما زالت تعتمد على أدوات الحرب المركّبة، لا سيما في المجالات الأمنية والسيبرانية والاقتصادية، إضافة إلى احتمال اللجوء إلى عمليات اغتيال نوعية في إطار الحرب غير المعلنة.

أحد أبرز أسباب هذا التراجع التكتيكي يتمثل في التلاحم الداخلي الإيراني، الذي شكّل عنصر قوة حاسم في مواجهة الضغوط الخارجية. هذا التماسك لم يكن سياسيًا أو شعبيًا فحسب، بل تجلّى أيضًا في مستوى عالٍ من التماسك الأمني، أفضى إلى كشف العديد من الخلايا والشبكات التي كانت تعمل لصالح أطراف خارجية، ما حدّ من قدرة الخصوم على العمل داخل العمق الإيراني.

إلى جانب ذلك، برز عامل تقني شديد الأهمية، تمثل في القدرة الإيرانية على تعطيل أو تحييد الاعتماد على شبكة “ستارلينك” للإنترنت الفضائي. هذه الخطوة أفقدت غرف العمليات الأميركية إحدى أهم أدواتها في إدارة المعركة، بعد انقطاع التواصل مع الشبكات المرتبطة بالداخل الإيراني، الأمر الذي أربك عمليات التنسيق والتحكم والسيطرة.

ولا يمكن إغفال الرسائل الإيرانية الواضحة والحازمة، التي أكدت أن أي هجوم عسكري مباشر على إيران سيقابل باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة، ما يرفع كلفة أي مغامرة عسكرية إلى مستويات لا يمكن لواشنطن تجاهلها. كذلك، شددت طهران على أن كيان الاحتلال الإسرائيلي سيكون في صلب دائرة الاستهداف، عبر وابل من الصواريخ التي لا تملك إسرائيل القدرة على تحمّل تبعاتها في المرحلة الراهنة، سواء عسكريًا أو اقتصاديًا أو على مستوى الجبهة الداخلية.

في المحصلة، ما يجري اليوم لا يعكس نهاية الصراع، بل انتقاله إلى أشكال أكثر تعقيدًا وأقل صخبًا. فالحرب مستمرة بأدوات مختلفة، لكن معادلات الردع التي فرضتها إيران جعلت الخصوم يعيدون حساباتهم، ويفضّلون العمل في الظل بدل الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تخرج عن السيطرة