“العصف المأكول”: المقاومة تُعمي استخبارات الاحتلال وتنتقل إلى استراتيجية الهجوم من تحت الركام
كتب الإعلامي حسين مرتضى
تدخل المواجهة على الحدود اللبنانية مرحلة بالغة الحساسية والتعقيد، في ظل تطورات ميدانية متسارعة تعكس تحوّلاً واضحاً في طبيعة إدارة المعركة بين المقاومة والاحتلال الإسرائيلي. وفي هذا السياق، أعلنت المقاومة عن بدء عملية أطلقت عليها اسم “العصف المأكول”، وهي عملية تحمل في مضمونها أبعاداً عسكرية ورسائل استراتيجية تتجاوز حدود الرد التقليدي.
فما شهدته الجبهة في الأيام الأخيرة لم يكن مجرد رشقات صاروخية متفرقة، بل عملية منظمة تعكس استعادة المقاومة لزمام المبادرة الميدانية، وإثبات قدرتها على تجاوز الضربات الاستخباراتية التي سعى الاحتلال من خلالها إلى شل قدراتها الصاروخية والقيادية.
استراتيجية “نقطة الصفر”
المتابع للميدان يلحظ أن المقاومة نجحت في فرض ما يمكن تسميته بـ”استراتيجية نقطة الصفر”. فبينما يروّج جيش الاحتلال لسيطرة جوية واستخباراتية شاملة على مسرح العمليات، تظهر الوقائع الميدانية صورة مختلفة تماماً.
فقد تمكن المجاهدون من تنفيذ عمليات التحام مباشر من مسافات قصيرة جداً، مستفيدين من تضاريس الأرض والبيئة العمرانية التي دمّرها القصف الإسرائيلي. وهنا برزت فلسفة قتالية جديدة يمكن وصفها بـ “الهجوم من تحت الركام”؛ حيث تحوّل الركام الناتج عن القصف إلى ساتر ميداني، يتيح للمقاومين الخروج لتنفيذ الضربات ثم الانسحاب بسرعة، في تكتيك يصعب على منظومات الرصد الإسرائيلية التعامل معه.
عمى استخباراتي
الرشقات الصاروخية الأخيرة التي تجاوزت 150 صاروخاً في صلية واحدة كشفت عن خلل واضح في قدرة الاحتلال على كشف منصات الإطلاق القريبة من الحدود. فرغم الاعتماد الكبير على الطائرات المسيرة وأجهزة الاستشعار والتقنيات الاستخباراتية المتطورة، إلا أن الاحتلال وجد نفسه أمام ما يشبه العمى الاستخباراتي.
وتشير المعطيات إلى أن المقاومة استطاعت خلال فترة قصيرة إعادة ترميم بنيتها القيادية والميدانية، ما أفقد إسرائيل ميزة “الضربة الاستباقية”. فبدلاً من استهداف منصات الإطلاق قبل استخدامها، بات جيش الاحتلال يضرب مواقع بعد إطلاق الصواريخ، أي بعد فوات الأوان.
فوبيا التوغل البري
وفي ما يتعلق بالتهديدات الإسرائيلية بالاجتياح البري، فإن التقديرات الميدانية تشير إلى أن القيادة العسكرية الإسرائيلية تدرك جيداً خطورة هذا الخيار.
فالقرى الجنوبية ليست مجرد مساحة جغرافية، بل بيئة قتالية معقّدة، تنتشر فيها خلايا مقاومة صغيرة ومستقلة تعمل بطريقة عنقودية. هذه الخلايا تمتلك أفضلية الأرض، وتعتمد على الصواريخ الموجهة والكمائن المحكمة، ما يجعل الدبابات المتطورة أهدافاً مكشوفة في حال التوغل داخل هذه المناطق.
لذلك، تبدو القيادة الإسرائيلية حذرة من الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة قد تتحول إلى عبء عسكري وسياسي داخلي.
رسائل تتجاوز الحدود
المواجهة الحالية لا تقتصر على الجبهة اللبنانية فحسب، بل تحمل رسائل إقليمية متعددة.
فعلى الجبهة الشرقية، تبرز تحذيرات من محاولات استغلال بعض المناطق الحدودية مع سوريا لفتح ثغرات أمنية، في حين تؤكد المعطيات أن المقاومة تمتلك الجاهزية للتعامل مع أي سيناريو من هذا النوع.
أما على مستوى الاستهداف الإسرائيلي للأحياء السكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن القصف الذي يطال الأبنية المدنية لا يحقق أهدافاً عسكرية حقيقية، بقدر ما يسعى إلى الضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة ومحاولة تعويض العجز الميداني من خلال استعراض الدمار.
وفي المقابل، تلوّح المقاومة، ومعها محور المقاومة، بمعادلة واضحة تقوم على “البنى التحتية مقابل البنى التحتية”، في حال تمادى الاحتلال في استهداف المنشآت الحيوية اللبنانية.
معركة كسر الإرادات
في المحصلة، تبدو المواجهة الحالية أبعد من مجرد تبادل للنيران؛ إنها معركة إرادات وإدارة صراع طويل.
فالمقاومة، وفق ما يظهر في الميدان، تعمل على تحويل التفوق التكنولوجي الإسرائيلي إلى عبء عملياتي، عبر تكتيكات تعتمد على المرونة، والعمل اللامركزي، والاستفادة من طبيعة الأرض.
ومع انطلاق عملية “العصف المأكول”، يجد صانع القرار في كيان الاحتلال نفسه أمام خيارين صعبين:
إما الانزلاق إلى حرب استنزاف برية طويلة ومكلفة، أو القبول تدريجياً بالمعادلات الميدانية والسياسية التي تفرضها المقاومة على أرض المعركة.