المنطقة أمام معركة وجودية… والميدان يعيد رسم موازين القوى

المنطقة أمام معركة وجودية… والميدان يعيد رسم موازين القوى

كتب الإعلامي حسين مرتضى

في ظل التصعيد العسكري المتسارع الذي تشهده المنطقة، والعدوان الواسع الذي تشنه الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، لم تعد الأحداث تُقرأ في إطار مواجهات محدودة أو جولات عسكرية عابرة. ما يجري اليوم يتجاوز ذلك بكثير، فنحن أمام معركة وجودية حقيقية ستحدد ملامح المنطقة وتوازناتها الاستراتيجية لسنوات وربما لعقود قادمة.

هذه المعركة لا تتعلق فقط بحدود جغرافية أو بتطورات ميدانية موضعية، بل ترتبط بصراع أعمق حول مستقبل النفوذ في الشرق الأوسط، وحول قدرة قوى المقاومة على كسر الهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية التي سعت طوال السنوات الماضية إلى فرض معادلاتها بالقوة.

التضليل الأمريكي وانكشاف الواقع

في قراءة المشهد السياسي والعسكري، يبدو واضحاً أن الخطاب الأمريكي يحاول رسم صورة مختلفة تماماً عن الواقع. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث عن “إنجاز المهمة” ويطرح شروطاً تصل إلى حد المطالبة بالاستسلام الكامل وتغيير النظام في إيران.

لكن الوقائع الميدانية ترسم صورة أخرى. فالصواريخ التي تستهدف القواعد الأمريكية والمنشآت الإسرائيلية تعكس حقيقة مختلفة تماماً عن الرواية الأمريكية. وما تحاول واشنطن تسويقه سياسياً وإعلامياً يصطدم يومياً بالحقائق التي يفرضها الميدان.

كسر قواعد الاشتباك

أحد أبرز التحولات التي برزت خلال هذه المواجهة هو كسر قواعد الاشتباك التقليدية. فقد نجحت الجمهورية الإسلامية في إيران، وفق المعطيات المتداولة، في تحييد أو تعطيل عدد من القواعد الأمريكية المحيطة بها، لا سيما في قطر والكويت.

هذا التطور لا يمكن التقليل من أهميته، إذ إن هذه القواعد كانت تشكل جزءاً أساسياً من منظومة الإنذار المبكر التي يعتمد عليها الكيان الإسرائيلي. ومع خروجها من المعادلة، يصبح المجال الجوي الإسرائيلي أكثر انكشافاً أمام الضربات، ما يغيّر كثيراً في حسابات الردع والتوازن العسكري.

المقاومة في لبنان: استعادت المبادرة

أما في الجبهة اللبنانية، فقد تمكنت المقاومة من تجاوز مرحلة المباغتة التي رافقت بداية العدوان السابق. اليوم، يبدو واضحاً أن هناك قيادة عسكرية متماسكة وغرفة عمليات تدير المعركة بقدر عالٍ من التنظيم والتنسيق مع الوحدات الميدانية.

المعطيات المتوافرة تشير إلى مجموعة من عناصر القوة التي ما تزال تمتلكها المقاومة، وفي مقدمتها القدرة على التحكم والسيطرة الميدانية، وإدارة العمليات ضمن استراتيجية طويلة النفس. كما أن استمرار إطلاق الصليات الصاروخية وفرض الإخلاء على عدد من المستوطنات يثبت أن المقاومة لا تزال قادرة على إيلام العدو وفرض معادلات جديدة.

وفي ميدان المواجهة المباشرة، تظهر العمليات التي وثقت تدمير دبابات “الميركافا” في الاشتباكات القريبة مستوى عالياً من الجهوزية القتالية، ما يعكس أن الضربات التي تلقتها المقاومة، بما في ذلك الاغتيالات، لم تنجح في كسر بنيتها القتالية أو معنويات مقاتليها.

الإخفاق الدبلوماسي

على المستوى السياسي، يبرز سؤال أساسي حول أداء المسار الدبلوماسي. التجارب السابقة أظهرت أن الدبلوماسية الرسمية لم تنجح في وقف الاعتداءات أو حماية السيادة، بل أدت في كثير من الأحيان إلى تقديم تنازلات دون مقابل حقيقي.

من هنا، فإن أي تسوية مستقبلية لن تكون ممكنة إلا إذا استندت إلى مجموعة من الثوابت الواضحة، في مقدمتها وقف شامل للاعتداءات والاغتيالات، وانسحاب إسرائيلي كامل من النقاط المحتلة، إضافة إلى معالجة ملفات الأسرى وعودة النازحين وتأمين ضمانات حقيقية لإعادة الإعمار.

فرصة لإعادة رسم المنطقة

في المحصلة، ما يجري اليوم قد يشكل لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة. فهذه الحرب، على قسوتها، قد تفتح الباب أمام إعادة رسم موازين القوى بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.

لم تعد المعركة محصورة بجنوب الليطاني أو بحدود لبنان، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع يمتد من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق وصولاً إلى إيران. إنه صراع حول مستقبل المنطقة، وحول ما إذا كان مشروع “إسرائيل الكبرى” سيستمر في التمدد، أم أن معادلات جديدة ستفرض نفسها بفعل صمود قوى المقاومة وتغير موازين القوى.

في النهاية، الميدان هو الذي يتكلم. والصواريخ التي تنطلق من أكثر من جبهة ليست مجرد رسائل عسكرية، بل هي تعبير عن مرحلة جديدة تُكتب فيها معادلات المنطقة بوقائع القوة على الأرض.