الميدان يتكلم: كمائن المقاومة تعيد رسم قواعد الاشتباك وتُسقط رهانات العدو
كتب الإعلامي حسين مرتضى
في خضم المواجهة المفتوحة على جبهة الجنوب، تتكشف ملامح مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها الأبرز: كسر تفوق العدو عبر تكتيكات ذكية تُدار من قلب الميدان.
لم يعد الحديث عن خطوط تماس تقليدية أو سيطرة جغرافية ثابتة، بل عن معركة استنزاف دقيقة تُدار بنَفَس طويل، حيث تتحول كل نقطة إلى فخ، وكل تقدم للعدو إلى مخاطرة محسوبة النتائج.
اليوم، يمكن القول إن السلاح الأفتك بيد المقاومة ليس فقط ما تملكه من ترسانة، بل كيفية استخدامه. الكمائن والعبوات الناسفة، واستدراج قوات العدو إلى “نقاط مقتل”، باتت تشكل العمود الفقري للعمل الميداني.
هنا، لا مكان لتمركز ثابت، ولا خطوط دفاع كلاسيكية، بل قتال من “نقطة الصفر”، حيث يُفاجأ العدو في اللحظة التي يظن فيها أنه يفرض السيطرة. والنتيجة: خسائر متزايدة في صفوف المشاة والآليات، وتدمير عدد كبير من الدبابات، في مشهد يعكس تحوّل المبادرة بشكل واضح.
في موازاة ذلك، يظهر بوضوح أن الضربات التي تلقاها حزب الله، وخصوصاً على مستوى القيادات، لم تؤدِّ إلى شلل كما كان يراهن العدو، بل على العكس، دفعت نحو إعادة هيكلة سريعة وفعالة.
الدور الذي يقوم به الشيخ نعيم قاسم في هذا السياق يبرز كعامل حاسم في استعادة زمام المبادرة التنظيمية والإدارية، بما مكّن المقاومة من الاستمرار بقوة وكفاءة، وهو ما يمكن وصفه بالفعل بـ”الإنجاز الاستراتيجي” الذي أربك حسابات العدو. إقليمياً، لا يمكن فصل ما يجري في الجنوب عن الصورة الأوسع.
الرسائل الإيرانية، ولا سيما رسالة السيد مجتبى خامنئي، تحمل دلالات واضحة تتجاوز البعد المعنوي، لتؤكد استمرار الدعم والتنسيق الوثيق ضمن محور واحد.
هذه الرسائل تأتي رداً مباشراً على محاولات التشكيك بوحدة الساحات، لتقول إن ما يجري هو إدارة مشتركة لمعركة متعددة الجبهات، لا مجرد تفاعلات متفرقة. وفي سياق التحذير، تبرز مؤشرات تستدعي الانتباه، إذ قد يلجأ العدو إلى خيارات أكثر خطورة، كعمليات إنزال بحري أو جوي، سواء في مناطق الساحل الجنوبي كصور، أو حتى عبر محاولات تسلل أعمق قد تصل إلى بيروت.
مثل هذه الخطوات، إن حصلت، لن تكون بالضرورة ذات قيمة عسكرية حاسمة، لكنها تستهدف تحقيق خرق معنوي أو الالتفاف على طبيعة المواجهة الحالية.
أما على مستوى “وحدة الساحات”، فإن دخول اليمن على خط المواجهة في هذا التوقيت ليس تفصيلاً عابراً.
نحن أمام تحول استراتيجي يعيد خلط الأوراق، خصوصاً في البعد الاقتصادي، مع تهديد الممرات المائية والمضائق الحيوية.
هذه المعادلة تضع العدو أمام تحديات مركبة، تتجاوز الجغرافيا الضيقة إلى فضاء إقليمي مفتوح. في المقابل، تتصاعد الحرب الإعلامية بالتوازي مع الميدان. هنا، لا بد من التوقف عند حجم الشائعات التي تُضخ يومياً، سواء عبر الحديث عن وجود مقاتلين أجانب أو “حشود” غير لبنانية في الجنوب.
الحقيقة مختلفة تماماً: المقاومة تمتلك فائضاً بشرياً من المقاتلين اللبنانيين، ما ينفي الحاجة إلى أي دعم بشري خارجي. الأخطر من ذلك، هو الفوضى الإعلامية التي قد تتحول، عن قصد أو غير قصد، إلى أداة تخدم العدو عبر بث الرعب بين المدنيين أو تسريب معلومات حساسة. وأخيراً، لا يمكن الحديث عن هذه المرحلة دون التوقف عند التضحيات.
في المحصلة، نحن أمام مشهد يتجاوز كونه مواجهة عسكرية تقليدية، إلى صراع إرادات تُحسم تفاصيله في الميدان، وتُرسم نتائجه على مستوى الإقليم بأسره.