بين الحرب الخاطفة واستنزاف الزمن… هكذا تستعدّ إيران للمعركة الكبرى
كتب الاعلامي حسين مرتضى
في قراءة معمّقة للمشهد الإقليمي المتصاعد، تتبلور أمام صانع القرار في طهران مجموعة من السيناريوهات المحتملة للسلوك الأمريكي، تقابلها استراتيجية إيرانية مضادة تقوم على كسر التوقيت، وتوسيع الجغرافيا، وتثبيت معادلات ردع طويلة الأمد.
في تقدير الموقف الإيراني، لا يبدو أن واشنطن تملك ترف الخيارات المفتوحة. فإما أن تنزلق نحو خيار التنازلات في حال تبيّن لها أن الحرب لن تحقق أهدافها وأن إيران أكثر صلابة مما يُقدّر، وهو احتمال يُنظر إليه كضعيف في ظل طبيعة القيادة الأمريكية الحالية، وإما أن تلجأ إلى استراتيجية الحرب الخاطفة، عبر توجيه ضربات قاسية ومركّزة خلال وقت قصير، ثم السعي إلى فرض هدنة سريعة تُترجم ميدانياً إلى واقع سياسي جديد.
لكن في المقابل، لا تتعامل طهران مع المعركة بوصفها مواجهة تقليدية، بل كصراع على الزمن نفسه. فالعنصر الحاسم في الاستراتيجية الإيرانية يتمثل في القدرة على إطالة أمد الحرب وتجاوز السقوف الزمنية التي يضعها الخصم، ما يؤدي إلى استنزافه تدريجياً وانتزاع المبادرة منه. هنا، لا تعود الضربة الأولى هي الفيصل، بل القدرة على الاستمرار.
وفي هذا السياق، تشير المعطيات إلى أن أي مواجهة مقبلة لن تخضع لقواعد الاشتباك السابقة. الحديث في طهران يدور عن حرب بلا خطوط حمراء، أكثر عنفاً واتساعاً من جولات سابقة، حيث لا مكان للقيود التي حكمت حروب الأيام المحدودة، بل معركة مفتوحة تُعاد فيها صياغة التوازنات.
الهدف الإيراني يتجاوز مجرد الصمود أو الرد، نحو بناء نظام ردع مستدام، يُخرج المواجهة من دائرة الجولات المؤقتة إلى معادلة طويلة الأمد، يصبح فيها أي اعتداء مكلفاً بشكل دائم، لا ظرفي.
على المستوى العسكري، تكشف المؤشرات عن مسار تطور نوعي لافت. فإيران لا تكتفي بتطوير ترسانتها، بل تعمل أيضاً على تفكيك وفهم أسلحة خصومها، بعد حصولها على نماذج من صواريخ وقنابل أمريكية وإسرائيلية لم تنفجر في مواجهات سابقة. هذا المسار يتيح لها تطوير وسائل مضادة أكثر دقة وفعالية، في مزيج بين التعلم الميداني والتراكم التقني.
بالتوازي، يتعزز دور الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة كعنصر حاسم في أي مواجهة مقبلة، سواء من حيث الكثافة أو القدرة على تجاوز أنظمة الدفاع، ما يعيد رسم طبيعة المعركة من حروب جيوش تقليدية إلى صراع تكنولوجي مفتوح.
إقليمياً، لا تنحصر المعركة ضمن حدود جغرافية ضيقة. فالممرات المائية الاستراتيجية، من مضيق هرمز إلى باب المندب وصولاً إلى قناة السويس، قد تتحول إلى ساحات ضغط، مع احتمالات دخول أطراف جديدة على خط المواجهة، ما يهدد حركة التجارة العالمية ويُعقّد حسابات القوى الكبرى.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز دور محور المقاومة الذي يُبنى على تراكمات ميدانية، خصوصاً في لبنان والعراق، حيث نجحت قوى المقاومة في إدخال جيش الاحتلال في بيئة استنزاف معقّدة، قائمة على الصواريخ والمسيرات، وتحويل الميدان إلى ما يشبه “المصيدة” العملياتية المفتوحة.
أما الدول التي تستضيف قوات أمريكية، فتجد نفسها – وفق هذا التقدير – في موقع بالغ الحساسية، إذ قد تتحول أراضيها إلى جزء من مسرح العمليات في حال اندلاع مواجهة واسعة، ما يضعها أمام استحقاقات تتجاوز حسابات السياسة التقليدية.
في الخلاصة، تقف المنطقة على أعتاب مرحلة مفصلية، حيث لا يجري التحضير لحرب عابرة، بل لإعادة رسم الخارطة السياسية والأمنية برمّتها. بين من يسعى لحسم سريع، ومن يراهن على استنزاف طويل، يبدو أن المواجهة المقبلة – إن وقعت – لن تشبه ما سبقها، لا في أدواتها ولا في نتائجها.