استراتيجية الاستنزاف والكمائن: معركة جنوب الليطاني تدخل مرحلة كسر الإرادة

بين الخيام وهرمز: قراءة في معادلات الميدان وحرب الوعي

كتب الإعلامي حسين مرتضى

في خضمّ التصعيد المتواصل على جبهة جنوب لبنان، تتكشّف ملامح مرحلة جديدة من المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، مرحلة تتداخل فيها المعادلات العسكرية مع الحرب النفسية والإعلامية، وتمتد تداعياتها إلى ساحات إقليمية أوسع، من الخليج إلى العراق وسوريا.

الميدان الجنوبي اليوم ليس مجرد ساحة اشتباك تقليدي، بل هو مساحة اختبار لإرادات متقابلة. فالمقاومة، وفق ما يظهر من مجريات المعركة، انتقلت إلى اعتماد أسلوب “المواجهة من نقطة الصفر”، إلى جانب تكتيك الاشتباك العنقودي، وهو نمط قتال يهدف إلى إرباك الجيش الإسرائيلي وتفكيك قدرته على فرض مسار واضح للمعركة. هذه المقاربة الميدانية لا تقوم على المواجهة المباشرة فقط، بل على الكمائن والاستدراج داخل البلدات الحدودية، ما يجعل أي تقدم إسرائيلي مكلفاً ومعقداً.

في هذا السياق، تبرز بلدة الخيام كعنوان مركزي في المواجهة. فالاحتلال يسعى إلى تحقيق اختراق بري فيها لما تمثله من رمزية سياسية ومعنوية، بينما تتعامل المقاومة مع المعركة هناك باعتبارها نموذجاً لحرب الاستنزاف المدروسة، حيث يتحول المكان إلى شبكة كمائن، وتصبح الجغرافيا نفسها جزءاً من منظومة القتال.

ورغم الضجيج الإعلامي الذي يحاول تصوير المشهد بصورة مغايرة، تشير المعطيات الميدانية إلى أن المقاومة لا تزال تمسك بزمام المبادرة. فالصواريخ التي تُطلق من جنوب الليطاني وتصل إلى عمق فلسطين المحتلة، حتى حيفا وما بعدها، تؤكد أن قدرة الردع لم تُكسر، وأن بنك الأهداف لا يزال مفتوحاً.

لكن المعركة لا تقتصر على الجبهة اللبنانية. فالمشهد الإقليمي يكشف عن اشتباك استراتيجي أوسع، خصوصاً في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة. فإيران، وفق المعطيات المتداولة، تعمل على اختبار منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأمريكية عبر ما يمكن وصفه بعمليات “الاستطلاع بالنار”، تمهيداً لاستخدام صواريخ أكثر تطوراً قادرة على تجاوز تلك المنظومات.

في المقابل، تبدو واشنطن في موقع الدفاع، حيث تتزايد المؤشرات على سعيها إلى تأمين خطوط الملاحة في مضيق هرمز عبر طلب دعم دولي، في خطوة تعكس حجم القلق من أي تصعيد قد يهدد حركة الطاقة العالمية. وفي الوقت نفسه، تُبذل محاولات أمريكية لفتح قنوات تواصل غير مباشرة مع طهران عبر وسطاء، غير أن السقف الإيراني لا يزال مرتفعاً، ويتمحور حول هدف استراتيجي واضح: إخراج القوات الأمريكية من غرب آسيا.

وسط هذه المعادلات العسكرية والسياسية، تبرز الحرب النفسية والإعلامية كساحة موازية لا تقل أهمية. فبعض المنابر الإعلامية اللبنانية تنخرط، عن قصد أو عن غير قصد، في ترويج روايات الاحتلال، مثل الحديث المبكر عن سقوط بلدات حدودية، وهو ما يشكل جزءاً من معركة “كيّ الوعي” والضغط النفسي على بيئة المقاومة. غير أن سرعة صدور البيانات العسكرية بعد العمليات تؤكد استمرار التنسيق العالي بين غرفة العمليات والميدان.

أما في الكواليس الدبلوماسية، فتظهر تفاصيل لافتة تتعلق بملف الدبلوماسيين الإيرانيين في لبنان. إذ تشير المعلومات إلى أن عائلاتهم واجهت صعوبات في مغادرة البلاد، بعدما تعذّر تأمين طائرة خاصة لنقلهم، ما اضطرهم في نهاية المطاف إلى الاستعانة بروسيا لتنظيم عملية الإجلاء. ويرتبط هذا الملف أيضاً بحادثة استهداف أحد الفنادق في منطقة الروشة، التي أسفرت عن سقوط ضحايا بينهم إيرانيون.

وعلى امتداد الإقليم، تتواصل الضغوط على الوجود الأمريكي. ففي العراق، تلعب فصائل المقاومة دوراً متصاعداً في استهداف القواعد الأمريكية، فيما تتزايد التحذيرات من محاولات فتح جبهة شرقية عبر الحدود السورية اللبنانية، حيث تُرصد تحركات لمجموعات مسلحة قد تُستخدم لخلق بؤرة توتر جديدة.

في المحصلة، يبدو أن المنطقة تقف أمام معادلة مواجهة متعددة الجبهات، تتداخل فيها الساحات العسكرية مع الضغوط السياسية والإعلامية. وبينما يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى تحقيق إنجاز معنوي يرمم صورته، تراهن قوى المقاومة على حرب استنزاف طويلة تعيد رسم ميزان القوى في المنطقة.

وهكذا، فإن ما يجري اليوم في الجنوب، وفي الخليج، وعلى امتداد جغرافيا الصراع، ليس مجرد سلسلة أحداث متفرقة، بل فصل جديد من معركة استراتيجية كبرى يتحدد على ضوئها شكل المنطقة في السنوات المقبلة.