بين الضوء الأخضر الأميركي وخريطة نتنياهو: معركة وجود تُرسم للبنان
كتب الإعلامي حسين مرتضى
في خضمّ التصعيد المتسارع على الجبهة اللبنانية، تتكشف تدريجياً معطيات سياسية وأمنية تشير إلى أن ما يجري اليوم لم يكن حدثاً مفاجئاً أو نتيجة تطورات ميدانية آنية، بل هو جزء من سيناريو جرى التحضير له منذ أشهر. فالمعلومات التي توافرت منذ أواخر عام 2025 كانت تشير بوضوح إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة شديدة الحساسية، وأن لبنان سيكون في قلب هذا التحول.
تحذيرات مبكرة لم يُصغِ إليها أحد
وفق المعطيات التي وصلت إلى جهات لبنانية رسمية منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، فإن الجانب الأميركي أبلغ مسؤولين لبنانيين بأن مواجهة واسعة باتت قريبة، وأن إسرائيل حصلت على ما يشبه “الضوء الأخضر” لشن عدوان يهدف إلى تغيير موازين القوى في المنطقة.
هذه المعلومات، التي يفترض أن تشكّل إنذاراً مبكراً للاستعداد، وُضعت بالفعل على طاولة بعض المسؤولين، غير أن حالة من الإنكار السياسي وعدم تقدير خطورة المرحلة حالت دون اتخاذ خطوات جدية لمواجهة السيناريو المتوقع.
خريطة نتنياهو: ما وراء عنوان “السلاح”
في القراءة الاستراتيجية لما يجري، لم تعد المعركة مرتبطة فقط بملف سلاح المقاومة أو بقدراتها الصاروخية. فالقضية، بحسب ما تشير إليه المؤشرات السياسية، تتجاوز هذا الإطار إلى ما يمكن وصفه بـ”معركة وجود”.
وقد برز هذا المعنى بوضوح مع ظهور رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وهو يعرض خريطة لما يُعرف بـ”إسرائيل الكبرى“. هذه الرسائل، وإن بدت للبعض رمزية، إلا أنها تعكس توجهاً سياسياً يسعى إلى إعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة وإقصاء القوى الرافضة للمشروع الأميركي–الإسرائيلي.
توقيت محسوب بدقة
ضمن هذا السياق، تشير المعلومات إلى أن واشنطن طلبت من إسرائيل تخفيف وتيرة العمليات العسكرية والاغتيالات خلال فترة محددة، تزامنت مع زيارة البابا إلى لبنان. غير أن هذا الهدوء كان مؤقتاً، إذ أعقبه تصعيد ملحوظ تمثل في غارات جوية مكثفة وعمليات اغتيال استهدفت قيادات ميدانية.
اللافت في هذا الإطار أن بعض البعثات الدبلوماسية وقوات “اليونيفيل” تلقّت تحذيرات بتجنب طرق محددة في بيروت خلال تلك الفترة، ما يعكس معرفة مسبقة بإمكانية توسع الاستهداف ليشمل مناطق حساسة في العاصمة.
الجبهة السورية: ورقة المجموعات المسلحة
إحدى أخطر النقاط التي يجري التداول بها تتعلق بمحاولة فتح جبهة موازية من الحدود السورية. فالمعطيات تشير إلى احتمال تحريك مجموعات مسلحة في تلك المنطقة، بقيادة شخصيات مرتبطة بتنظيمات متشددة، بهدف خلق ضغط ميداني متزامن مع العدوان الإسرائيلي.
الهدف من هذا السيناريو مزدوج: من جهة استنزاف المقاومة وكشف نقاط انتشارها في منطقة البقاع، ومن جهة أخرى دفع المجموعات المسلحة نفسها إلى مواجهة مباشرة قد تؤدي عملياً إلى تصفيتها في معركة مفتوحة.
قواعد اشتباك جديدة
في المقابل، تشير القراءة الميدانية إلى أن المقاومة تتعامل مع أي مواجهة مقبلة باعتبارها مرحلة مفصلية. فالتجارب السابقة أظهرت أن الساعات الأولى من أي حرب تكون حاسمة في رسم مسارها، ما يفسر الحديث عن استعداد لرد تصاعدي منذ البداية، خصوصاً خلال أول 48 ساعة.
الهدف في هذه المرحلة لا يقتصر على فرض وقف لإطلاق النار، بل يتعداه إلى تثبيت معادلات ردع تمنع تحويل الحرب إلى مشروع تهجير أو إعادة رسم للواقع الديموغرافي في لبنان.
انتقادات للواقع السياسي اللبناني
في الداخل اللبناني، يبرز أيضاً جدل واسع حول الموقف الرسمي من الاعتداءات الإسرائيلية، ولا سيما ما يتعلق باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت.
فالصمت الذي تبديه بعض المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها وزارة الخارجية، يثير تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على مواكبة التحديات القائمة. ويرى كثيرون أن هذا الأداء الدبلوماسي الضعيف يمنح إسرائيل فرصة لمحاولة عزل المقاومة سياسياً وإعلامياً عن محيطها الوطني.
ما الذي ينتظر لبنان؟
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المنطقة تقف أمام مرحلة مفصلية، حيث تتقاطع الحسابات الدولية مع الصراعات الإقليمية فوق الأرض اللبنانية. وبين خرائط نتنياهو والضوء الأخضر الأميركي، يبقى السؤال الأهم: هل يتجه لبنان نحو مواجهة كبرى ستعيد رسم موازين القوى في المنطقة، أم أن معادلات الردع ستفرض نفسها مرة جديدة؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.