بين مساري الدولة والمقاومة: لبنان في قلب معادلة الاشتباك المفتوح

بين مساري الدولة والمقاومة: لبنان في قلب معادلة الاشتباك المفتوح

كتب الإعلامي حسين مرتضى

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يقف لبنان مجدداً عند تقاطع مسارات متناقضة ظاهرياً، لكنها في الواقع متكاملة في إدارة الصراع. فالمشهد الداخلي اليوم لا يمكن قراءته إلا من خلال مسارين واضحين: مسار دبلوماسي تقوده الدولة اللبنانية، ومسار ميداني ترسمه المقاومة وفق معادلات الاشتباك مع الاحتلال.

هذا التوازي ليس حالة تناقض، بل تعبير عن توزيع أدوار تفرضه طبيعة المرحلة. فالدولة تتحرك ضمن الأطر السياسية والدبلوماسية لاحتواء التصعيد، فيما تتحرك المقاومة على قاعدة الردع ومنع فرض وقائع ميدانية جديدة. ومن هنا، يصبح الحديث عن أي تفاوض مع الاحتلال خارج سياق وقف العدوان وانسحاب قواته، طرحاً بلا معنى أو قيمة سياسية.

في هذا الإطار، يبرز القرار الدولي 1701 كعنوان دائم في النقاش، إلا أن مقاربته تكشف حجم الخلل في تطبيقه. فالمقاومة التزمت عملياً بمندرجاته وانسحبت من جنوب الليطاني، في حين واصل الاحتلال الإسرائيلي خروقاته اليومية، من اعتداءات واغتيالات، وسط صمت دولي يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدية المجتمع الدولي في فرض قراراته.

أما داخلياً، فإن محاولة تصوير المشهد اللبناني على أنه منقسم بشكل حاد حول خيار المقاومة، لا تعكس الواقع بدقة. فالنتائج الانتخابية والتحالفات السياسية القائمة تشير إلى حضور تمثيلي عابر للطوائف، يؤكد أن المقاومة ليست معزولة، بل جزء من توازنات سياسية واجتماعية معقدة لا يمكن القفز فوقها أو تبسيطها.

إقليمياً، تتكشف صورة أكثر وضوحاً لحالة التخبط في السياسة الأمريكية، لا سيما في التعاطي مع إيران. فالتصريحات التي تتحدث عن ضرب القدرات الإيرانية تتناقض مع الوقائع الميدانية، حيث لا تزال طهران تمسك بأوراق قوة أساسية، أبرزها التحكم بالممرات البحرية الحيوية. هذا التناقض لا يعكس فقط ارتباكاً في الخطاب، بل أزمة في القدرة على ترجمة القوة العسكرية إلى إنجازات استراتيجية حاسمة.

ما يجري اليوم يتجاوز حدود لبنان، ليضعه في قلب معادلة صراع مفتوح لم تُحسم نتائجه بعد. فالميدان يفرض إيقاعه، والسياسة تلاحقه دون أن تتمكن من احتوائه بالكامل. وبين هذا وذاك، تتشكل مرحلة جديدة عنوانها تثبيت معادلات الردع، في مقابل عجز واضح عن فرض تسويات نهائية.

لبنان، مرة أخرى، ليس خارج الصراع… بل في صلبه.