أسبوع كسر الإرادات: بين الرد الإيراني وضغوط هرمز وتعثر الميدان في جنوب لبنان

جبهة لبنان 2026: استراتيجية “نقطة الصفر” وإرباك الحسابات الإسرائيلية

كتب الاعلامي حسين مرتضى

‏دخلت المواجهة على الحدود اللبنانية مرحلة هي الأكثر تعقيداً وخطورة منذ عقود، حيث لم تعد الحرب مجرد تبادل للنار بين طرفين، بل تحولت إلى معمل لاختبار استراتيجيات عسكرية غير تقليدية.

في ظل الحديث المتزايد عن التوغل البري الإسرائيلي، نجحت المقاومة في فرض “معادلة ميدانية” جديدة، تجاوزت فيها صدمة الاغتيالات والضربات الجوية، لترسم مشهداً ميدانياً يتسم بالغموض والارتباك لدى الجانب الإسرائيلي.

‏أولاً: الخروج من “نقطة الصفر”.. فلسفة المواجهة الجديدة
‏حققت المقاومة قفزة نوعية في أسلوبها الدفاعي عبر الانتقال من “الدفاع الثابت” إلى “الهجوم من تحت الركام”. تمثلت هذه المعادلة في الخروج من نقطة الصفر، وهي اللحظة التي يظن فيها الجيش الإسرائيلي أنه أحكم سيطرته النارية على منطقة ما، ليفاجأ بمقاتلين يخرجون من خنادق أو أنفاق مخفية للالتحام المباشر.

‏هذا الأسلوب أفقد التفوق الجوي الإسرائيلي قيمته الاستراتيجية؛ فالمسيرات وأقمار التجسس لا يمكنها رصد مجموعات صغيرة (خلايا عنقودية) تتحرك باستقلالية تامة، وتنفذ عمليات “اخرج واضرب واختفِ” (Hit and Run). هذا التحرك تحت القصف العنيف وبأقل قدر من التواصل اللاسلكي، جعل الجبهة اللبنانية “صندوقاً أسود” يصعب التنبؤ بما بداخله.

‏ثانياً: الضياع الإسرائيلي وتآكل الردع البري
‏يعيش المستوى العسكري والسياسي في تل أبيب حالة من التخبط الواضح. فرغم حشد ألوية النخبة وتجهيز الآليات للتوغل، إلا أن “فوبيا الكمائن” باتت تحكم القرار الميداني. ويمكن قراءة هذا الضياع في ثلاث نقاط أساسية:

‏1. الفشل الاستخباري الميداني: عجز الاحتلال عن تحديد منصات الإطلاق القريبة من الحدود، والتي لا تزال تطلق صواريخها بفعالية رغم “الأرض المحروقة”.
‏2. كلفة الالتحام: يدرك القادة الميدانيون أن التوغل البري يعني مواجهة مع مقاتلين يمتلكون أفضلية “الأرض والدافع”، مما يحول الدبابات المتطورة إلى أهداف سهلة لصواريخ “الماس” وغيرها من الأسلحة الموجهة.
‏3. زمن الاعتراض الصفر: استخدام المسيرات الانقضاضية التي تُطلق من مسافات قصيرة جداً جعل منظومات الدفاع الجوي (كالقبة الحديدية) خارج الخدمة فعلياً في مناطق الجليل والمواقع الحدودية.

‏ثالثاً: تقدير الموقف.. إلى أين تتجه الجبهة؟
‏يشير المشهد الحالي في لبنان (مارس 2026) إلى أننا أمام حرب استنزاف طويلة الأمد، يهدف فيها الطرف اللبناني إلى منع الاحتلال من تحقيق “صورة نصر” أو فرض منطقة عازلة مستقرة.

‏السيناريوهات المتوقعة:
‏• استمرار المراوحة: قد يلجأ الاحتلال إلى سياسة “التوغل المحدود” ثم التراجع، لتجنب الغرق في وحل القرى الجنوبية، مع الاستمرار في القصف الجوي المركز.
‏• المقامرة الكبرى: محاولة الوصول إلى نهر الليطاني، وهو سيناريو قد يشعل حرباً إقليمية شاملة ويفتح جبهات لم يحسب الاحتلال حسابها، خاصة مع تعافي منظومة القيادة والسيطرة لدى المقاومة.

‏خلاصة القول:
‏إن المشهد في لبنان اليوم ليس مجرد صمود عسكري، بل هو إعادة صياغة لمفاهيم الحرب الحديثة. المقاومة استطاعت تحويل “الضعف التقني” أمام سلاح الجو إلى “قوة ميدانية” عبر الالتحام المباشر، مما وضع صانع القرار الإسرائيلي أمام خيارين أحلاهما مر: إما الغرق في استنزاف بري لا ينتهي، أو القبول بمعادلات تفرضها الميدان بعيداً عن أوهام السيطرة المطلقة.