جنوب لبنان يفرض معادلاته… والبقاع يدخل قلب المواجهة
كتب الاعلامي حسين مرتضى
مع تصاعد المواجهة على الجبهة اللبنانية خلال الأيام الأخيرة، يعود جنوب لبنان مرة أخرى ليكون مركز الثقل في المعركة الدائرة مع الاحتلال الإسرائيلي. فالميدان الجنوبي الذي لطالما شكّل ساحة الاشتباك الأساسية، أثبت مجدداً أنه قادر على إرباك حسابات الاحتلال وإفشال رهاناته السريعة، خصوصاً مع عودة أسلوب حرب العصابات الذي طالما ميّز أداء المقاومة في المواجهات السابقة.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن المقاومة تمكنت سريعاً من إعادة تنظيم انتشارها في منطقة جنوب الليطاني مع بدء العدوان. فبعد انسحاب الجيش اللبناني بقرار سياسي لتجنب الانخراط المباشر في المواجهة، تحولت القرى والبلدات الجنوبية إلى نقاط ارتكاز طبيعية للمقاتلين الذين ينحدر معظمهم من أبناء هذه المناطق ويعرفون تضاريسها بدقة.
هذا الواقع الميداني أتاح للمقاومة التحرك بسرعة وتنفيذ عمليات نوعية منذ الساعات الأولى، كان أبرزها استهداف دبابات “ميركافا” بصواريخ موجهة من طراز “كورنيت”، ما أدى إلى تدمير عدد منها وإرباك الوحدات المتقدمة للاحتلال. وقد شكّل ذلك صدمة واضحة لقيادة الجيش الإسرائيلي التي كانت تبني تقديراتها على فرضية تراجع قدرات المقاومة أو عدم قدرتها على استعادة زمام المبادرة بهذه السرعة.
وفي موازاة المواجهة في الجنوب، بدأت الأنظار تتجه إلى جبهة أخرى لا تقل أهمية، وهي منطقة البقاع، وتحديداً بلدة النبي شيث التي شهدت خلال الأسبوع الماضي محاولات إنزال جوي إسرائيلي أثار الكثير من التساؤلات حول أهدافها الحقيقية.
المحاولة الأولى وقعت ليلاً وانتهت بالفشل بعد مواجهات مع عناصر المقاومة والأهالي، فيما جاءت المحاولة الثانية بحجم أكبر، إذ شاركت فيها نحو خمس عشرة مروحية عسكرية تسللت عبر الأجواء السورية من جهة سرغايا والقلمون، ما يشير إلى عملية مدروسة تتجاوز إطار التحرك التكتيكي المحدود.
ويطرح هذا الإصرار الإسرائيلي على استهداف منطقة النبي شيث عدة احتمالات استراتيجية. فالاحتلال يسعى، وفق تقديرات عديدة، إلى محاولة فصل البقاع عن الجنوب وبيروت، بما يؤدي إلى تعطيل خطوط التواصل اللوجستي التي تعتمد عليها المقاومة في إدارة المعركة.
كما يكرر الاحتلال والولايات المتحدة منذ سنوات مزاعم وجود سلاح نوعي أو صواريخ بعيدة المدى في جبال النبي شيث، وهو ما يفسر كثافة الغارات الجوية التي استهدفت المنطقة في مراحل سابقة دون أن تحقق نتائج حاسمة.
إلى جانب ذلك، استفاد الاحتلال من التطورات الأخيرة في الساحة السورية، حيث بات يسيطر على مواقع استراتيجية مثل جبل الشيخ والتلال الحمر، ما يمنحه قدرة أكبر على استخدام الأجواء السورية لتنفيذ عمليات تسلل وإنزال جوي في العمق اللبناني.
وفي بعد آخر، يحاول رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو تسجيل إنجاز ميداني أو معنوي يمكن تسويقه داخلياً، سواء عبر إعادة إحياء قضية الجندي المفقود “رون أراد” أو من خلال تنفيذ عملية نوعية تُظهر أن الجيش الإسرائيلي ما زال قادراً على المبادرة.
في المقابل، لم تبقَ المقاومة في موقع رد الفعل، بل عملت على فرض معادلات ميدانية جديدة. فقد أصدرت إنذارات إخلاء لسكان المستوطنات القريبة من الحدود ضمن عمق يصل إلى خمسة كيلومترات، وصولاً إلى مدينة نهاريا التي تضم عشرات آلاف المستوطنين، في رسالة واضحة تعكس ثقة بقدرتها على التحكم بمسار التصعيد.
كما شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً صاروخياً تدريجياً استهدف مناطق على امتداد الساحل الفلسطيني المحتل، من عكا وصولاً إلى ميناء حيفا الذي يُعد أحد أهم المراكز الاقتصادية والنفطية في الكيان الإسرائيلي.
ومن أبرز المؤشرات الميدانية أيضاً صدور رسالة مباشرة من “غرفة عمليات المقاومة” إلى المقاتلين، وهو ما يعكس عودة قنوات التواصل التنظيمي بين القيادة والوحدات الميدانية إلى العمل بشكل أكثر انتظاماً بعد مرحلة العمل اللامركزي التي فرضتها ظروف الاغتيالات السابقة والضربات الأمنية.
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن المواجهة الحالية لم تعد تقتصر على الدفاع عن الأرض، بل دخلت مرحلة التصاعد التدريجي ومحاولة فرض وقائع ميدانية جديدة. كما أن فشل عمليات الإنزال في البقاع يعزز الانطباع بأن المقاومة استطاعت تجاوز الضربات السابقة، وأنها تدير المعركة اليوم بنَفَس طويل وبحسابات تمتد إلى عمق الكيان الإسرائيلي.