خارطة المواجهة المفتوحة: بين تسوية تحت النار وتصعيد بلا سقف

خارطة المواجهة المفتوحة: بين تسوية تحت النار وتصعيد بلا سقف

كتب الاعلامي حسين مرتضى

في خضم تسارع غير مسبوق للأحداث العسكرية والسياسية في المنطقة، يبرز سؤال مفصلي يحدد وجهة المرحلة المقبلة: هل نحن أمام لحظة “خداع استراتيجي” تمهدا لانفجار أكبر، أم أن قنوات التفاوض غير المعلنة بدأت ترسم ملامح تسوية كبرى تحت وقع النار؟

المعطيات المتراكمة حتى الآن تشير إلى أن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الحساسية، حيث تبدو الساعات المقبلة حاسمة في رسم مسار المواجهة.

فعلى الرغم من الحديث عن وساطات دولية ومحاولات لاحتواء التصعيد، إلا أن الوقائع الميدانية تقول شيئاً مختلفاً تماماً.

الحشودات العسكرية الأمريكية تتزايد، والعمليات العسكرية تشهد تصعيداً ملحوظاً، فيما ترد إيران برفع مستوى الضربات الصاروخية، في رسالة واضحة تؤكد فيها جهوزيتها وقدرتها على مواصلة المواجهة دون تأثر يُذكر بالضربات السابقة.

في موازاة ذلك، شهدت أهداف الحرب تحوّلاً لافتاً. فبعد أن كان الخطاب الأمريكي-الإسرائيلي يركّز على “إسقاط النظام” في إيران، باتت الأولوية اليوم تتمثل في السيطرة على مضيق هرمز.

غير أن المفارقة تكمن في أن إيران، وفق المعطيات، تمسك بزمام المبادرة في هذا الممر الحيوي، ليس فقط من حيث التحكم بحركة الملاحة، بل أيضاً عبر تحقيق قفزة لافتة في صادراتها النفطية، ما يعكس فشل سياسة الحصار الاقتصادي، بل وتحول الحرب إلى فرصة لكسر القيود المفروضة عليها.

على مستوى الحلول السياسية، تبدو طهران واضحة في شروطها، حيث لا تتعامل مع فكرة “وقف إطلاق النار” كخيار مرحلي، بل تطرح عنوان “إنهاء الحرب” ضمن سلة متكاملة من الضمانات.

وتشمل هذه الشروط رفع العقوبات بشكل كامل، دفع تعويضات عن الأضرار، وتقديم تعهدات قانونية بعدم تكرار العدوان، إضافة إلى ربط أي تسوية بساحات محور المقاومة، ولا سيما وقف الاعتداءات على لبنان وانسحاب قوات الاحتلال من النقاط التي ثبتها مؤخراً.

في الجنوب اللبناني، تتجلى صورة ميدانية مختلفة تعكس طبيعة المواجهة غير التقليدية. فالمقاومة تعتمد تكتيكات الاستدراج وحرب العصابات، حيث لا تكمن الأولوية في السيطرة على الأرض بقدر ما تتركز على استنزاف القوات الإسرائيلية وإيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوفها، خصوصاً قوات النخبة.

عمليات “الإطباق” التي تنفذها المقاومة أسهمت في تحويل تحركات الجيش الإسرائيلي إلى نقاط ضعف مكشوفة، ما أدى إلى استنزاف بشري وعسكري متزايد، بات يعترف به قادة الاحتلال أنفسهم.

لكن في مقابل هذه الوقائع، لا يمكن إغفال سيناريوهات الغدر المحتملة. إذ تبرز تحذيرات من احتمال لجوء الولايات المتحدة وإسرائيل إلى عمليات نوعية، كتنفيذ إنزالات بحرية خلف خطوط المقاومة أو استهداف جزر إيرانية استراتيجية، مثل جزيرة خارك.

هذه الفرضيات ليست بعيدة عن حسابات طهران، التي رفعت من مستوى الجهوزية، مدعومة بحشود من المتطوعين لحماية المواقع الحيوية.

أما على المستوى الدولي، فقد بدأت تداعيات الحرب تتسلل إلى الداخل الغربي. فتعطّل خطوط الإمداد وتغيير مسارات الشحن البحري أدّيا إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع والطاقة، ما يشكل ضغطاً متزايداً على الحكومات الغربية.

هذا العامل الاقتصادي تحديداً قد يكون الدافع الرئيسي لبعض القوى الدولية، وفي مقدمتها الإدارة الأمريكية، للبحث عن مخرج سياسي يجنّبها انفجاراً داخلياً.

في المحصلة، تقف المنطقة على حافة مفترق حاسم. فإما أن تتجه الأمور نحو تسوية كبرى تفرضها موازين القوة الجديدة، وتضمن رفع الحصار وتثبيت معادلات السيادة، أو أن تنزلق المواجهة نحو تصعيد شامل قد يطال منشآت الطاقة وآبار النفط في عمق الدول المنخرطة في هذا الصراع.

الساعات المقبلة وحدها كفيلة بكشف الاتجاه الحقيقي لهذه المواجهة، وتحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تهدئة تحت النار، أم نحو انفجار إقليمي مفتوح بلا سقف.