ساعات حبس الأنفاس في مضيق هرمز… رسائل النار وحدود الاشتباك

ساعات حبس الأنفاس في مضيق هرمز… رسائل النار وحدود الاشتباك

كتب الإعلامي حسين مرتضى

ما جرى في الساعات الأخيرة في مضيق هرمز لم يكن حادثاً عابراً، ولا مجرد احتكاك ميداني محدود بين القوات الإيرانية والأمريكية، بل كان رسالة سياسية وعسكرية مركّبة تحمل أبعاداً تتجاوز حدود الخليج إلى كامل المنطقة. فبينما كانت الأجواء الدبلوماسية توحي بإمكانية تحقيق تقدم في مسار التفاهمات، كانت البوارج والصواريخ ترسم معادلة مختلفة عنوانها: لا مفاوضات تحت الضغط، ولا أمن لطرف دون الآخر.

المشهد الأخير كشف بوضوح أن واشنطن حاولت تنفيذ عملية “جس نبض” لاختبار مستوى الجهوزية الإيرانية، سواء على مستوى الدفاعات الجوية أو سرعة الاستجابة الصاروخية. الأمريكي أراد تسجيل نقطة ميدانية تعزز موقعه التفاوضي قبل العودة إلى طاولة المحادثات، لكن الرد الإيراني جاء سريعاً وحاسماً، ما أسقط محاولة فرض وقائع جديدة بالقوة.

طهران، من خلال هذا الرد، لم تكتفِ بإظهار قدرتها العسكرية، بل أرادت تثبيت معادلة سياسية واضحة: المسار الدبلوماسي منفصل تماماً عن الميدان. أي اعتداء سيُواجَه برد مباشر، وأي محاولة للضغط العسكري لن تمنع إيران من الدفاع عن سيادتها أو حماية مصالحها الاستراتيجية. هذه الرسالة تحمل في طياتها تحولاً مهماً في قواعد الاشتباك، خصوصاً أن الإيرانيين يتعاملون مع المرحلة باعتبارها صراع إرادات طويل النفس، لا مجرد جولة عابرة.

وفي خلفية هذا التوتر، تتعقد المفاوضات بسبب تضارب الأولويات بين الطرفين. واشنطن لا تزال تعتبر أن الملف النووي يجب أن يكون المدخل الأساسي لأي اتفاق، فيما ترى طهران أن الأولوية الحقيقية تبدأ من وقف الحرب الشاملة في المنطقة، وضبط إدارة مضيق هرمز، وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي في المناطق الحساسة، وصولاً إلى لبنان.

وهنا تحديداً تظهر العقدة الكبرى. فلبنان، وفق المعطيات الإيرانية، ليس تفصيلاً هامشياً في أي تسوية مقبلة، بل بند أساسي غير قابل للتفاوض أو التجزئة. الإيرانيون يربطون أي اتفاق شامل بوقف العدوان الإسرائيلي وانسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية، باعتبار أن أمن المنطقة مترابط، وأن أي محاولة لعزل الساحات عن بعضها لم تعد قابلة للحياة.

أما على مستوى السيناريوهات المقبلة، فإن المنطقة تبدو مفتوحة على ثلاثة احتمالات رئيسية.

الأول هو استمرار “التصعيد المنضبط”، أي بقاء الاشتباكات المحدودة وحرب الرسائل المتبادلة ضمن سقف يمنع الانفجار الكبير، مع استمرار التفاوض في الخلفية.

الثاني يتمثل في فرض التهدئة بقوة الواقع، إذا اقتنعت واشنطن بأن خياراتها العسكرية لم تحقق النتائج المطلوبة، وأن الدخول في حرب استنزاف جديدة سيكلفها أثماناً باهظة.

أما السيناريو الثالث، وهو الأقل ترجيحاً حالياً، فيبقى احتمال الانزلاق إلى مواجهة واسعة نتيجة خطأ في الحسابات أو سوء تقدير لردود الفعل.

في المحصلة، المنطقة تعيش مرحلة شديدة الحساسية عنوانها اختبار الإرادات لا اختبار القوة فقط. ترامب يحاول إعادة رسم قواعد الردع من خلال الضغط العسكري والسياسي، بينما تعمل طهران على تثبيت معادلة جديدة مفادها أن الأمن في الخليج والمنطقة لن يكون أحادياً، وأن أي تهديد سيقابله تهديد مقابل.

إنها مرحلة “حبس أنفاس” حقيقية، حيث تختلط الدبلوماسية بالنار، وتُكتب التفاهمات المحتملة على وقع الصواريخ وحركة البوارج في مضيق هرمز.