سوريا بين صراعات الداخل وإغراء تصدير الأزمة… هل يتحول لبنان إلى ساحة الاشتباك المقبلة؟

كتب الاعلامي حسين مرتضى

تدخل سوريا مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والأمني، تتداخل فيها الصراعات الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، في ظل مشهد تتراجع فيه سلطة المركز لصالح تعدد مراكز النفوذ، وتتصارع فيه الفصائل المسلحة على النفوذ والموارد والشرعية. وفي خضم هذا الواقع، يبرز سؤال يفرض نفسه بقوة: هل تتحول الأزمة السورية مجدداً إلى أزمة عابرة للحدود، ويصبح لبنان الوجهة التالية لمحاولات تصدير الفوضى؟

هذا السؤال لا ينبع من فراغ، بل من جملة مؤشرات ميدانية وسياسية تتقاطع مع واقع إقليمي شديد الحساسية، حيث لم تعد الحدود بين سوريا ولبنان والعراق مجرد خطوط جغرافية، بل باتت جزءاً من شبكة أمنية وسياسية متداخلة، تتأثر بأي تغيير في موازين القوى داخل الشمال السوري.

خلال الأسابيع الماضية، تصاعدت التحليلات التي تحدثت عن احتمال استخدام بعض الفصائل المسلحة المنتشرة في شمال سوريا كورقة ضغط خارجية، سواء عبر تحريك مجموعات مسلحة نحو الحدود اللبنانية أو من خلال محاولة إثارة توترات أمنية وطائفية داخل لبنان. وقد ازدادت هذه التكهنات مع تداول تصريحات نُسبت إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن دور محتمل لأحمد الشرع، المعروف بـ”الجولاني”، في الساحة اللبنانية، قبل أن تنفي هيئة تحرير الشام بشكل واضح وجود أي نية للتدخل العسكري أو فتح جبهة مع لبنان.

لكن النفي السياسي لا يلغي قراءة أعمق لطبيعة الصراعات داخل سوريا.

فالتاريخ يؤكد أن الأنظمة والتنظيمات التي تواجه أزمات داخلية غالباً ما تلجأ إلى تصدير الأزمة نحو الخارج لتخفيف الضغوط الداخلية وتوحيد الصفوف خلف “عدو خارجي”. ومن هنا، تبدو فرضية تصدير التوتر إلى لبنان جزءاً من النقاش السياسي والأمني، لا باعتبارها قراراً محسوماً، وإنما احتمالاً يرتبط بتطورات الميدان السوري وحسابات اللاعبين الإقليميين.

وفي الداخل السوري، تتكشف صورة أكثر تعقيداً. فالمشهد لم يعد محكوماً بصراع بين الحكومة والمعارضة فحسب، بل بات يتضمن تنافساً بين أجنحة متعددة داخل المعسكر الواحد، لكل منها داعموه الإقليميون وأجنداته الخاصة. وتُشير المعطيات إلى وجود تجاذب بين شخصيات وفصائل ترتبط بمحاور إقليمية مختلفة، الأمر الذي انعكس على عمليات إعادة الهيكلة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، حيث شهدت وزارة الدفاع السورية والأجهزة الأمنية تعديلات واسعة في مواقع النفوذ والقيادة، في محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى الداخلية.

في الوقت نفسه، لا تزال مناطق دير الزور والحسكة والساحل والسويداء تشهد حالة من الهشاشة الأمنية نتيجة الصراعات بين العشائر والفصائل المسلحة، إضافة إلى التنافس على النفوذ والموارد. وهذه البيئة المضطربة تجعل من أي تصعيد جديد قابلاً للامتداد خارج الحدود إذا ما توافرت الإرادة السياسية أو المصلحة الإقليمية.

أما تركيا، اللاعب الأكثر حضوراً في الشمال السوري، فتتعامل مع هذه التطورات بحذر شديد. فأنقرة تدرك أن أي مغامرة عسكرية خارج الأراضي السورية قد تنعكس سلباً على نفوذها في الشمال، خصوصاً في ظل استمرار التحدي الذي تمثله قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

لذلك، تبدو السياسة التركية قائمة على منع الفصائل الحليفة من الانخراط في مواجهات إقليمية قد تستنزفها أو تخلط الأوراق، بالتوازي مع العمل على ترتيب المشهد السياسي والعسكري استعداداً لأي مرحلة جديدة قد تلي النفوذ الحالي للفصائل المهيمنة في إدلب.

ومن الملفات التي لا تزال تشكل هاجساً أمنياً إقليمياً ودولياً، ملف المقاتلين الأجانب المنتشرين في الشمال السوري. فالتقديرات تشير إلى وجود آلاف المقاتلين من جنسيات متعددة، بينهم عناصر من الحزب التركستاني، ومقاتلون أوزبك، وآخرون من القوقاز وأوروبا والدول العربية، ينتشرون في إدلب ومحيطها ومناطق أخرى.

وتكمن خطورة هذا الملف في أن العديد من الدول الأصلية لهؤلاء المقاتلين يرفض إعادتهم، ما يجعلهم كتلة عسكرية وأمنية يصعب احتواؤها. وبين خيار دمجهم في تشكيلات أمنية منظمة أو تركهم ضمن شبكات مستقلة، يبقى احتمال توظيفهم في ساحات صراع جديدة قائماً كلما تبدلت الأولويات الإقليمية.

وفي سياق متصل، أثارت حادثة ضبط صهريج محمل بالأسلحة على الحدود السورية العراقية جدلاً واسعاً. فبينما أعلنت السلطات السورية أن الشحنة كانت متجهة من العراق نحو سوريا ومنها إلى لبنان، ظهرت روايات أخرى تشكك في هذه الرواية، معتبرة أن الشحنة كانت مخصصة لفصائل متشددة داخل الأراضي السورية، وأن عملية النقل تمت عبر طرق تهريب غير رسمية بعيداً عن المعابر النظامية.

وبغض النظر عن صحة أي من الروايتين، فإن ما تكشفه الحادثة هو استمرار نشاط شبكات تهريب السلاح عبر الحدود السورية العراقية، وهو أمر يعكس هشاشة البيئة الأمنية، ويؤكد أن الحدود لا تزال تشكل ممراً مفتوحاً أمام التنظيمات المسلحة وشبكات الدعم اللوجستي.

في المحصلة، تبدو سوريا اليوم أمام مرحلة دقيقة، حيث تتشابك الحسابات الداخلية مع رهانات القوى الإقليمية والدولية. أما لبنان، الذي يعاني بدوره من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة، فإنه يبقى عرضة لتداعيات أي انفجار جديد في الساحة السورية، سواء عبر محاولات تسلل مجموعات متشددة أو عبر استثمار الانقسامات الداخلية لإشعال توترات جديدة.

ومع ذلك، فإن انتقال الصراع إلى لبنان ليس أمراً حتمياً، بل يبقى احتمالاً مرتبطاً بجملة من العوامل، أبرزها مواقف القوى الإقليمية، وحسابات الفصائل السورية، وقدرة الدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية على احتواء أي تهديدات محتملة. وفي منطقة تتغير معادلاتها بسرعة، يبقى اليقين الوحيد أن استقرار أي دولة لم يعد شأناً محلياً، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية واسعة، تتأثر بكل تحول يحدث على الجبهة السورية.