سياسة «الضغط الأقصى الميداني»: قراءة في لحظة حافة الهاوية

سياسة «الضغط الأقصى الميداني»: قراءة في لحظة حافة الهاوية

كتب الاعلامي حسين مرتضى

تشهد المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية، حيث لا يقتصر الضغط الأميركي على التصريحات السياسية أو العقوبات الاقتصادية، بل يتجسّد في تحركات عسكرية ميدانية كثيفة يمكن وصفها بـ “الدبلوماسية القسرية”.

الهدف لا يبدو حرباً فورية، بل صناعة قناعة لدى طهران بأنّ خيار الحرب حقيقي وجاهز للتنفيذ، بحيث تصبح المفاوضات لاحقاً ـ إنْ فُتحت ـ محكومة بميزان قوّة مختلّ سلفاً. الرهان هنا أنّ صور الحشود العسكرية على الشاشات والرادارات تفعل ما لا تفعله الخطابات: إعادة تشكيل حسابات الخصم من الداخل.

في المقابل، تواجه إيران ما يمكن تسميته “معضلة التعهّد بالردّ”. فالصمت أمام هذا التحشيد قد يُقرأ كضعف، وهو ما قد يشجع واشنطن على الانتقال من التهديد إلى الفعل. لذلك تلجأ طهران إلى خطاب ردعي واضح ومباشر، فحواه أنّ القواعد والقوات التي تُستخدم للضغط يمكن أن تتحوّل إلى أهداف.

هكذا تحاول إيران ترميم ميزان الردع عبر خلق حالة من توازن الرعب: الحشود الأميركية تهدّد إيران، والصواريخ الإيرانية تهدّد استقرار تلك الحشود.

أمام هذا المشهد، لا يبدو السؤال: “هل الحرب غداً؟” بل: أيّ مسار سيفرض نفسه في ظلّ هذا الاحتقان؟ يمكن تصوّر ثلاثة احتمالات واقعية:

أولاً: اختبار الإرادات
وهو السيناريو الأرجح في المدى القريب. يستمر التحشيد دون إطلاق نار، في حرب أعصاب مفتوحة هدفها معرفة من سيطلب التهدئة أو التفاوض أولاً. كلّ طرف يستخدم أقصى ما لديه من أدوات عسكرية لا للقتال، بل لإخضاع الإرادة السياسية للطرف الآخر.

ثانياً: الاحتكاك غير المقصود
كلما تحركت الجيوش دون قنوات تواصل فعّالة، يزداد خطر الخطأ الفني أو سوء التقدير. اقتراب زورق بسرعة في مضيق حساس، أو إسقاط مُسيّرة، قد يُفسّر كإشارة بدء الهجوم. عندها يمكن أن تنفلت الأمور نحو مواجهة واسعة لم يكن أيّ طرف يخطط لها فعلياً.

ثالثاً: الضربة المحدودة
إذا رأت واشنطن أنّ الضغط الميداني لم يحقق مكاسب سياسية، قد تلجأ إلى عمل عسكري محدود ومحسوب ـ ربما خارج الأراضي الإيرانية ـ لإثبات الجدية وفرض معادلة ردع جديدة، ثم العودة إلى طاولة التفاوض من موقع قوة أعلى.

الخلاصة
ما يحدث اليوم هو “تجهيز للمسرح” أكثر منه اندفاع مباشر نحو الحرب. الولايات المتحدة تصعّد عسكرياً لإغلاق مساحات المناورة قبل فرض شروط سياسية قاسية، بينما تعتمد إيران استراتيجية “الدفاع الهجومي” عبر التلويح بقدرة ضرب القواعد والقوات الأميركية كوسيلة لمنع قرار الهجوم من الأصل.

المنطقة، إذن، تعيش حالة سكون مشحون: ليست حرباً مؤكدة، لكنها جاهزية كاملة لها. الجمود القائم قد يُكسر بطلق ناري غير محسوب… أو بمكالمة مفاجئة تعيد فتح باب السياسة. بين هذين الاحتمالين، يستمرّ التوتر كأداة ضغط بحدّ ذاته، وتبقى الأعصاب هي ساحة المعركة الأولى…