فخ الحرب القصيرة: كيف كبّلت العقيدة الإيرانية “اللامتماثلة” التخطيط الأمريكي؟

كتب الاعلامي حسين مرتضى

تقف المنطقة اليوم على أعتاب مرحلة بالغة الحساسية والتعقيد، تشهد حراكاً أمريكياً حثيثاً لعقد جلسات واجتماعات تهدف إلى إعادة حشد التحالفات الدولية. وفي هذا السياق، يُرصد حضور أوروبي محدود عبر دفع قوات قتالية إلى المسرح الإقليمي تحت لافتة “المهام الدفاعية”.

لكن طهران لا تأخذ هذه الادعاءات على محمل الجد، ولا تولي البيانات الرسمية الصادرة عن تلك الدول أدنى اعتبار، فهذه القوات ستكون “متى ما دعت الضرورة” أهدافاً مباشرة ومعرضة لضربات الهجوم الإيراني. فالادعاء الأوروبي بالصلة الدفاعية ليس إلا محض كذب غير أن هذا الكذب ذاته يعد تعبيراً جلياً عن حجم الخوف والتردد الذي يسكن هذه الأطراف.

صراع المسيّرات: الفلسفة الإيرانية مقابل النقص الأمريكي

في ظل التحركات والمناورات الميدانية، أعلن الجانب الأمريكي عن إنشاء وحدة متخصصة للمسيرات الهجومية تابعة للقيادة المركزية الأمريكية بالتزامن مع انضمام البحرين إلى هذا التحالف. تشير المعطيات إلى أن هذه الوحدة أُنشئت لغرض تنفيذ عمليات بالشرائح المسيرة ضد الأراضي الإيرانية، وسط محاولات إعلامية أمريكية حثيثة لتضخيم قدراتها.

إلا أن الحقيقة الميدانية تؤكد أن هذا الإجراء ليس سوى نسخة رديئة ومكشوفة من القدرات والاستراتيجيات التي طورها المحور الإيراني، حيث تتلخص الفوارق الجوهرية بين الفلسفتين في النقاط التالية:

  • التفوق الكمي والنوعي: تعتمد إيران على إنتاج كمي ضخم ومستمر من المسيرات دقيقة التوجيه ذات القدرات التدميرية العالية، وتوجيهها نحو أهداف حيوية باهظة الثمن، مما يفرض خللاً في التوازن التسليحي والاقتصادي.
  • استنزاف الدفاعات الجوية: تجبر هذه الاستراتيجية العدو على استنزاف منظومات دفاعه الجوي المكلفة جداً لمواجهة مسيرات منخفضة التكلفة، مما يوصل عمليات الاعتراض الأمريكية إلى مستويات متدنية.
  • محدودية البدائل الأمريكية: اتجاه واشنطن نحو الاعتماد على المسيرات يعني تقليص اعتمادها على قدراتها النارية الأساسية (المقاتلات وصوارخ كروز) في ظل الأزمة المعروفة بالنقص الحاد في الذخائر، مما يجعل قدرتها النارية المُستحدثة محدودة جداً.
  • حصانة البنية التحتية العميق: تمتلك إيران شبكة ممتدة من الأنفاق والقواعد الصاروخية وقواعد المسيرات في أعماق الأرض عبر أنحاء البلاد، مما يمثل بيئة حصينة يصعب ضربها أو التأثير عليها بالمسيرات الأمريكية.

فالإجراء الأمريكي لا يتعدى كونه عرضاً إعلامياً، في وقت تتفوق فيه إيران بخطوات متقدمة على أمريكا وبقية الخصوم في مجال تصنيع الجيل الجديد من المسيرات القتاليه والاعتراضية، فضلاً عن ابتكار أنمط إطلاق حديثة تمزج بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي.

أزمة التزود بالوقود والانتشار الجوي

يزعم الأمريكيون قيامهم بنشر كميات ضخمة من الأسلحة بعيدة المدى في المنطقة، غير أن القراءة الدقيقة تكشف أن جزءاً كبيراً من هذا الادعاء يندرج تحت الحرب النفسية، وأن المخزون الحالي لا يزيد عما تم استهلاكه بالفعل خلال المواجهات السابقة.

وفي المقابل، تشير التقارير إلى تدفق أعداد كبيرة من المقاتلات الأمريكية إلى داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي، ما يشي بأن أي ضربة لاحقة ستكون مجهوداً قتالياً مشتركاً بين واشنطن وتل أبيب. وفي مثل هذا السيناريو، سيتم الزج بالمقاتلات الأمريكية لتقطع مسافات بعيدة طوِيلة، مما يرفع درجة اعتمادها بشكل حرج على طائرات التزود بالوقود جواً.

وهنا تبرز المقدرة على تغيير قواعد الاشتباك؛ حيث تضع القوات الإيرانية نفسها في تموضع قادر على شل هذه الآلة الحربية الجوية عبر استهداف طائرات التزود بالوقود بدقة، سواء وهي جاثمة على الأرض أو أثناء تحليقها في الجو.

تُضاف إلى ذلك أزمة الميدان؛ فقد أبلغ كيان الاحتلال الجانب الأمريكي بعدم قدرته على استضافة أعداد كبيرة من طائرات التزود بالوقود، كما أعلن عدم قدرته على تشغيل قاعدة “رامون” الليلية، وينسحب هذا العجز أيضاً على مطار “بن غوريون”، مما يجعل استضافة هذه الطائرات هدفاً يتيح توجيه ضربات صاروخية ثقيلة ومدمرة لها قبل إقلاعها.

تكتيك التمويه وحقيقة الجاهزية

كثف العدو من عمليات جمع المعلومات والاستطلاع الاستخباراتي عبر تسيير الطائرات الصغيره، ويُلاحظ شبه يومي تنفيذ مسار عبوري جماعي وتشكيلات قتاليه لمقاتلات العدو باتجاه الحدود الإيرانية تقترب من الحافة الحاكمة للحدود دون اختراق المجال الجوي ثم تعود ادراجها.

يهدف هذا النمط المتكرر إلى إحداث حالة من التعمية الرادارية وتداخل الأشارات لتعطيل قدرة الدفاع الجوي على التمييز لحظة الهجوم الرئيسي الفعلي، والمراهنة على وصول المدافعين إلى مرحلة التراخي لاعتبار هذه الطلعات روتينية قبل شن الهجوم المباغت.

لكن المعادلة اختلفت كلياً؛ إذ باتت إيران تمتلك مؤشرات عملياتية بالغة الدقة والتعقيد تمكنها من العزل الفوري للهجوم الفعلي، وبمجرد رصد أي نوايا هجومية سيكون الرد حاسماً وبأساليب ومستويات لم يسبق للعدو أن اختبرها.

مسرح العمليات الموازي: اليمن والمعادلة الصلبة

تتزايد المؤشرات على نية العدو توجيه ضربة عسكرية موازية ومستقلة ضد اليمن بالتزامن مع أي استهداف عسكري لإيران. لكن في المسرح اليمني، تعيش إدارة واشنطن وحلفاؤها حالة عارمة من الارتباك والتخبط.

فعلى الرغم من شن أكثر من 1200 غارة جوية استهدفت القوات اليمنية، إلا أن حركة أنصار الله والقوات المسلحة اليمنية لم تحافظ على ثباتها وتماسكها فحسب، بل وجهت ضربات متكافئة ومؤثرة وصلت إلى عمق العاصمة السعودية والمواقع الحيوية، وأرست معادلات صلبة:

  • حصار مقابل حصار
  • تصعيد مقابل تصعيد
  • عاصمة مقابل عاصمة

كما تمسك القوات اليمنية بزمام السيطرة الفعليه والميدانية على مضيق باب المندب، وافتتحت الجبهات الميدانية بفرض خيارات جغرافية واضحة، مما يعكس أن أي مواجهة قادمة ستتزامن حتماً مع اشتعال جبهات متعددة أعدت لها طهران ومحورها الجاهزية التامة.

أزمة العقيدة العسكرية الأمريكية ونقاط الضعف البنيوية

يسعى التخطيط العسكري الأمريكي للحفاظ على نمط عمليات يؤدي إلى “حرب قصيرة الأجل” لتفادي استنزاف الوقت والجهد، لكن هذه الرغبة تصطدم دائماً بالانزلاق نحو حرب طويلة الأمد تجر معها تبعات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية معقدة.

تكمن الأزمة الأمريكية البنيوية في كونها خاضعة لنهج عقيدة حرب القرن العشرين بينما تحاول القتال في بيئة القرن الحادي والعشرين؛ فقد طور الجيش الأمريكي قواته ليخوض معارك متماثلة تقليدية، لكنه يُجبر اليوم على الخوض في مواجهة غير متماثلة قائمة على الابتكار العملياتي والأسلحة اللامتماثلة:

  1. فقدان التمركز الآمن: تمكنت الضربات الإيرانية السابقة من إخراج وتدمير القواعد الأمريكية الرئيسية (حوالي 18 قاعدة بالإضافة إلى إسقاط فاعلية نحو 30 قاعدة سرية أو منخفضة التغطية في المنطقة)، مما أفقدهم أراضي الانتشار الآمنة وجعل القوات مشتتة ومكشوفة.
  2. استهداف الحرب الشبكية: يستند الجيش الأمريكي إلى نظم شبكية موحدة لنقل البيانات وتخصيص الأهداف عبر شفرات ومعالجة بيانات مركزية. تمتلك إيران فهماً دقيقاً لآلية عمل هذه الحرب الشبكية وقامت باستهداف الرادارات ومراكز تحليل البيانات التابعة لوزارة الحرب أو الشركات التعاقدية، مما أحدث إرباكاً حاداً في تنسيق الوحدات القتالية الأمريكية.
  3. تآكل المخزونات والخسائر البشرية: تعرضت مخزونات الذخيرة الهجومية والدفاعية لأضرار بالغة، إلى جانب تكبد القوات الأمريكية خسائر بشرية جرى التكتم عليها وتوصيفها تحت بند الحوادث العرضية والمصابين لتضليل الرأي العام.
ختاما: هل تقترب الحرب؟

إن تعقد الاستراتيجية العسكرية لدى الطرفين وحالة الإرباك التي تعيشها الإدارة الأمريكية أمام العقيدة اللامتماثلة وضخامة الجاهزية الإيرانية واليمنية، هما السبب الرئيس وراء تأخر واشنطن في إطلاق المعركة الشاملة حتى اللحظة.

تبقى كل الاحتمالات قائمة ومفتوحة، فالعدو يراهن على الحصار والضغط الداخلي والتمويه، لكن المعطيات الميدانية تؤكد أن أي مغامرة قادمة لن تكون نزهة قصيرة، بل مواجهة ستعيد تشكيل وجه المنطقة بالكامل.