ما بعد التشييع المليوني… حين أسقطت طهران رهانات الحرب وفرضت معادلة جديدة

كتب الإعلامي حسين مرتضى

لم يكن المشهد الذي شهدته طهران في التشييع المليوني مجرد حدث عاطفي أو مراسم وداع لقائد استثنائي، بل كان استفتاءً شعبياً وسياسياً على نهج كامل، ورسالة استراتيجية تجاوزت حدود إيران لتصل إلى كل العواصم التي اعتقدت أن الحرب الأخيرة ستفتح الباب أمام تغيير موازين القوى في المنطقة.

ما جرى في طهران لم يكن نهاية مرحلة، بل إعلاناً عن بداية مرحلة جديدة. مرحلة أثبتت أن الدماء التي سالت لم تُضعف محور المقاومة، بل زادت من تماسكه، وأن الرهان على الاغتيال لإحداث فراغ في القيادة أو انهيار في البنية التنظيمية كان رهاناً خاسراً منذ اللحظة الأولى.

لقد حاولت الولايات المتحدة، ومعها عدد من العواصم الغربية، تحويل التشييع إلى مناسبة معزولة سياسياً، فمارست ضغوطاً مباشرة على عدد من الدول لمنعها من المشاركة الرسمية. وتشير المعطيات إلى أن وزير الخارجية الأمريكي قاد اتصالات مكثفة، ولا سيما مع دول أفريقية وآسيوية، لتقليص مستوى التمثيل الدبلوماسي وإظهار إيران وكأنها تعيش عزلة دولية بعد الحرب.

لكن النتيجة جاءت معاكسة تماماً.

فأكثر من مئة وفد رسمي حضروا إلى طهران، بينهم دول كانت توصف حتى وقت قريب بأنها تقف في الضفة المقابلة للجمهورية الإسلامية. ولم يكن هذا الحضور بروتوكولياً بقدر ما كان اعترافاً بواقع سياسي جديد، مفاده أن إيران أصبحت رقماً ثابتاً في معادلات الإقليم، وأن تجاوزها في أي ترتيبات مستقبلية لم يعد ممكناً.

وهنا تكمن إحدى أهم نتائج الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية؛ إذ تحولت محاولات العزل إلى عامل دفع نحو تكريس الاعتراف الدولي بالدور الإيراني، فيما سقطت واحدة من أهم أدوات الضغط السياسي التي اعتمدتها واشنطن طوال السنوات الماضية.

في الجانب الآخر، لم يكن الحديث عن شخصية القائد الراحل محصوراً بإطاره الديني أو السياسي، بل ظهر مجدداً حجم الرؤية الاستراتيجية التي امتلكها منذ سنوات طويلة. فعندما كان يتحدث قبل عقدين عن “الحرب الناعمة”، اعتبر كثيرون أن الأمر يدخل في إطار التنظير الفكري، لكن السنوات أثبتت أن المعركة على الوعي لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية.

ولذلك جرى الاستثمار مبكراً في الإعلام والفضاء الإلكتروني وبناء منظومات المواجهة الرقمية، باعتبار أن الجندي في ميدان الإعلام لا يقل أهمية عن المقاتل في الميدان العسكري.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تطورت الرؤية لتشمل مفهوم “الحروب الهجينة” التي تمزج بين العقوبات الاقتصادية، والحصار المالي، والحرب النفسية، والعمليات الأمنية، والاستهداف العسكري المباشر، وهي الأدوات نفسها التي استخدمت خلال الحرب الأخيرة ضد إيران ومحور المقاومة.

لكن ما بدا لافتاً أن هذا النوع من الحروب لم يؤدِّ إلى تفكيك البنية الداخلية للمحور، بل دفع إلى مزيد من التنسيق والتكامل بين ساحاته المختلفة.

ولعل أبرز ما كشفته المرحلة التي أعقبت الحرب أن المشروع الأمريكي القائم على إسقاط النظام الإيراني من الداخل، وتفكيك جبهات المقاومة، انتهى إلى نتيجة معاكسة تماماً.

فبدلاً من انهيار “وحدة الساحات”، شهدنا إعادة إنتاجها بصورة أكثر تماسكاً، مع استمرار التنسيق السياسي والعسكري بين لبنان والعراق واليمن وفلسطين، واتساع دائرة الدعم الشعبي للمقاومة في أكثر من ساحة.

لقد كان المشروع الأمريكي يقوم على تفكيك الجبهات وعزل كل ساحة عن الأخرى، لكن ما حدث فعلياً هو انتقال العلاقة بين هذه الساحات من مستوى التنسيق إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وهو ما يجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر تعقيداً بالنسبة لواشنطن و”إسرائيل”.

وما لفت الانتباه أيضاً أن مشاهد الحزن لم تقتصر على الداخل الإيراني أو على البيئات الإسلامية، بل امتدت إلى شخصيات مسيحية ووفود من دول آسيوية وأفريقية وأمريكية لاتينية، رأت في القائد الراحل رمزاً لمواجهة الهيمنة والدفاع عن قضايا المستضعفين، وهو ما يعكس أن تأثير هذه الشخصية تجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات الدينية.

أما العراق، فقد شكّل نموذجاً إضافياً على فشل الضغوط الأمريكية.

فبحسب المعطيات، مارست السفارة الأمريكية في بغداد ضغوطاً مكثفة على الحكومة العراقية وعلى عدد من القوى السياسية لمنع إقامة مراسم التشييع أو الحد من المشاركة الرسمية والشعبية فيها، في محاولة لمنع العراق من الظهور كجزء من المشهد الإقليمي الجديد.

غير أن هذه الضغوط اصطدمت بإرادة سياسية وشعبية رافضة، حيث أصرت قوى عراقية على تنظيم مراسم واسعة في النجف الأشرف وكربلاء، معتبرة أن المشاركة تعبير عن موقف سيادي مستقل، ورسالة تؤكد أن العراق لا يمكن عزله عن عمقه الإقليمي.

وفي موازاة ذلك، تستمر محاولات إعادة إنتاج الفوضى داخل العراق، سواء عبر تحريك خلايا تنظيم “داعش” أو عبر تأجيج الانقسامات الداخلية، إلا أن التجارب السابقة أثبتت أن هذه الأدوات لم تعد قادرة على تحقيق الأهداف التي رُسمت لها.

الخلاصة أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة جديدة.

فالحرب التي كان يُفترض أن تنهي محور المقاومة، انتهت إلى تعزيز حضوره السياسي والعسكري. ومحاولات العزل الدبلوماسي تحولت إلى اعتراف دولي متزايد بدور إيران. أما الاغتيالات التي راهن عليها البعض لإحداث انهيار في بنية المحور، فقد تحولت إلى عامل تعبئة واستنهاض، أعاد توحيد الصفوف وأنتج زخماً شعبياً وسياسياً غير مسبوق.

لقد أرادت واشنطن و”إسرائيل” شرق أوسط جديد يخضع بالكامل لمنظومة الهيمنة، لكن ما أفرزته الحرب وما بعد التشييع يشير إلى ولادة شرق أوسط مختلف، تُرسم فيه المعادلات انطلاقاً من موازين القوى التي صنعتها الميادين، ورسختها الشعوب، وأكدتها الملايين التي ملأت شوارع طهران، معلنة أن زمن كسر إرادة هذه المنطقة قد انتهى.