محور جبل الشيخ والبقاع الغربي: هل يفتح الاحتلال جبهة الإنزال بحثاً عن تعويض ميداني؟
كتب الإعلامي حسين مرتضى
في ظل التعثر الواضح على جبهة الجنوب، تتجه الأنظار إلى تحوّل لافت في السلوك العسكري الإسرائيلي، حيث لم تعد المعركة محصورة ضمن الشريط الحدودي التقليدي، بل بدأت تتسع شرقاً نحو محور جبل الشيخ والبقاع الغربي، في محاولة لخلق وقائع ميدانية جديدة تعوّض الإخفاقات المتراكمة.
المعطيات الميدانية الأخيرة تكشف عن حجم الخسائر التي تكبدها جيش الاحتلال، مع إقراره بسقوط نحو 400 بين قتيل وجريح من الجنود والضباط في المواجهات الأخيرة، وهو رقم يعكس طبيعة الاشتباك العنيف، ويفسر في الوقت نفسه البحث عن بدائل تكتيكية خارج إطار المواجهة المباشرة في الجنوب.
أول ملامح هذا التحول يظهر في محاولة فصل الجغرافيا بين البقاع والجنوب.
إذ يعتمد الاحتلال على استهداف الجسور والبنى التحتية الحيوية لقطع خطوط الإمداد والتواصل، بما يحوّل البقاع الغربي إلى منطقة معزولة نسبياً، ويفقد المقاومة عمقها اللوجستي المتصل جنوباً.
هذا الأسلوب ليس جديداً، لكنه يأخذ اليوم بعداً أكثر تركيزاً، في ظل عجز الاحتلال عن فرض سيطرة ثابتة في المناطق الحدودية. في موازاة ذلك، يبرز خيار التسلل أو الإنزال من جهة جبل الشيخ، حيث يملك الاحتلال أفضلية جغرافية عبر المرتفعات التي يسيطر عليها.
هذا الواقع يفتح الباب أمام سيناريوهات تسلل أو عمليات إنزال محدودة باتجاه راشيا وحاصبيا، وصولاً إلى سحمر ويحمر وجب جنين، وهي مناطق تشكل عقداً جغرافية حساسة في البقاع الغربي.
كما يندرج القصف المكثف على منطقة المصنع ضمن هذا السياق، حيث تتقاطع الأهداف الاقتصادية والعسكرية.
فإغلاق هذا المعبر يعني خنق الرئة البرية الأساسية للبنان باتجاه سوريا، وفي الوقت نفسه قطع الترابط بين البقاع الأوسط والغربي، بما يعمّق حالة العزل الجغرافي التي يسعى الاحتلال إلى فرضها.
ضمن هذا المشهد، يراهن الاحتلال على ما يسميه “الخاصرة الرخوة”، أي مناطق قد يقدّر أنها أقل تحصيناً أو جهوزية، لتنفيذ عمليات أمنية خاطفة أو إنزالات محدودة تحقق له إنجازات موضعية سريعة، يمكن استثمارها لاحقاً في المسار التفاوضي، خاصة بعد فشل رهاناته في الجنوب.
ولا يمكن إغفال أن هذا النمط ليس مستجداً بالكامل، فقد سبق للاحتلال أن حاول تنفيذ عمليات إنزال في البقاع، كما في منطقة النبي شيت، عبر التسلل من جهة الزبداني.
استحضار هذه السوابق يعزز فرضية أن المحور الشرقي قد يشهد تكراراً لتكتيكات مشابهة، وإن بصيغ أكثر حذراً وتعقيداً.
في الخلاصة، وعلى الرغم من أن الطبيعة الجغرافية المعقدة للبقاع الغربي وجبل الشيخ تجعل من أي اجتياح بري واسع مغامرة مكلفة وغير مضمونة النتائج، إلا أن احتمالات العمليات الأمنية المحدودة أو الإنزالات الخاطفة تبقى قائمة.
هدف هذه العمليات لا يبدو احتلال الأرض بقدر ما هو محاولة فصل البقاع الغربي عن عمقه، وفرض سيطرة نارية على الطريق الدولي بين بيروت ودمشق، بما يعيد خلط الأوراق في معركة لم تعد تقليدية في أدواتها ولا في ساحاتها.