وثيقة انتهاك السيادة اللبنانية… بين مراوغة واشنطن وأطماع الاحتلال

كتب الاعلامي حسين مرتضى

تشهد المنطقة في هذه المرحلة حراكاً سياسياً متسارعاً يتداخل فيه الإقليمي بالدولي، فيما تبقى المفاوضات الإيرانية – الأمريكية الجارية في الدوحة واحدة من أبرز العناوين التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة.

إلا أن الضبابية ما تزال تسيطر على المشهد، في ظل كثرة التساؤلات حول طبيعة التفاهمات المحتملة وحدود قدرة واشنطن على الالتزام بما يتم الاتفاق عليه.

المؤشرات المتوافرة حتى الآن توحي بأن الولايات المتحدة ما زالت تمارس سياسة المراوغة، ولا تبدي جدية حقيقية في تنفيذ الالتزامات التي سبق أن تعهدت بها، سواء في ما يتعلق بالأموال الإيرانية المجمدة، أو بحركة الملاحة في مضيق هرمز، أو بالتفاهمات التي جرت عبر الوساطة العُمانية والقطرية.

كما أن التطورات الميدانية الأخيرة في المياه الإقليمية، وما رافقها من اعتراض إيراني لمحاولات أمريكية فرض وقائع جديدة، تؤكد أن الصراع لا يزال مفتوحاً وأن مسار التفاوض لم يصل بعد إلى مرحلة الحسم.

وفي لبنان، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، لأن ما يجري على الساحة اللبنانية يرتبط بصورة مباشرة بمآلات هذه المفاوضات الإقليمية.

ومن هنا يصبح من الضروري تقييم نتائج وثيقة انتهاك السيادة اللبنانية التي وقعتها السلطة اللبنانية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، بعيداً عن الخطابات السياسية ومحاولات تسويقها باعتبارها إنجازاً وطنياً.

فالوقائع الميدانية تكشف بوضوح أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بأي من موجبات وقف إطلاق النار، إذ تستمر عمليات الاغتيال والاستهداف بحق المواطنين في جنوب لبنان، وتتواصل عمليات تدمير المنازل والاعتداءات اليومية، من دون أي مؤشر عملي على وقف الخروقات أو الانسحاب من المناطق المحتلة أو السماح للأهالي بالعودة الآمنة إلى قراهم وبلداتهم.

بل إن السلوك الإسرائيلي يوحي بمحاولة فرض معادلة جديدة تمنحه حرية الحركة العسكرية والاستهداف متى يشاء وكيفما يشاء. وفي المقابل، تصر السلطة اللبنانية على تقديم وثيقة انتهاك السيادة اللبنانية للرأي العام بوصفها مكسباً سياسياً للدولة، رغم أنها كانت في وقت سابق حريصة على عدم كشف تفاصيلها لما تتضمنه، وفق ما يُتداول، من بنود تصب في مصلحة الاحتلال أكثر مما تخدم المصلحة الوطنية.

ولا يقتصر الأمر على الجانب الإعلامي، بل يمتد إلى تحركات سياسية ودبلوماسية هدفت إلى عقد لقاءات مع بلديات واتحادات بلديات ونقابات وشخصيات من المجتمع المدني لإظهار وجود تأييد واسع لهذه الوثيقة.

غير أن مثل هذه المقاربة تحمل مخاطر كبيرة، لأنها تدفع نحو تعميق الانقسامات داخل المجتمع اللبناني، وتخلق اصطفافات داخل البلديات والمؤسسات التي تضم بطبيعتها تنوعاً سياسياً وعائلياً، بدلاً من تعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات.

وفي موازاة ذلك، تتحدث المعطيات عن ضغوط سياسية وإقليمية تمارسها بعض الجهات لدفع القوى اللبنانية إلى تغيير مواقفها الرافضة للوثيقة، بما في ذلك محاولات التأثير على شخصيات سياسية بارزة للتراجع عن مواقفها. إلا أن تصوير الاعتراض على الوثيقة وكأنه محصور بفريق سياسي واحد لا يعكس حقيقة المشهد، إذ إن الرفض يشمل طيفاً واسعاً من القوى والأحزاب والشخصيات اللبنانية المنتمية إلى اتجاهات سياسية وطائفية مختلفة، في مقابل تأييد محدود يقتصر على عدد قليل من الأحزاب. وفي ختام المشهد، تبقى القضية الأساسية هي حماية السيادة اللبنانية.

فالجدل لا يدور حول الاصطفافات السياسية أو المواقف الإقليمية، بل حول طبيعة الشروط التي يُراد فرضها على لبنان، والتي تتحدث بعض المعلومات عن أنها تشمل تقييد حركة الجيش اللبناني وإيجاد آليات أمنية تمنح الاحتلال دوراً مباشراً في إدارة الواقع الميداني، وهو ما يُعد، في نظر المعترضين، انتقاصاً خطيراً من سيادة الدولة وكرامة اللبنانيين.

الأيام المقبلة مرشحة لمزيد من الحراك السياسي والنيابي، مع اتساع دائرة الاعتراض على وثيقة انتهاك السيادة اللبنانية، في ظل قناعة متزايدة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بأن حماية السيادة الوطنية لا يمكن أن تتحقق عبر وثائق تمنح الاحتلال مكاسب سياسية وأمنية على حساب حقوق لبنان وثوابته الوطنية.