تصعيد بلا حرب: كيف تحاول إسرائيل فرض واقع جديد في لبنان؟
حسين مرتضى
ليس ما تشهده الساحة اللبنانية مجرّد جولة تصعيد عابرة أو ردّ فعل إسرائيلي محدود على تطوّر أمني معيّن. ما يجري أبعد من ذلك بكثير. نحن أمام سياسة عدوانية واضحة، تقوم على توسيع نطاق القصف من الجنوب إلى العمق، وصولاً إلى البقاع، في محاولة لفرض وقائع أمنية بالقوة، ولكن من دون الذهاب إلى حرب شاملة.
إسرائيل اليوم لا تريد حرباً مفتوحة مع لبنان، لكنها في الوقت نفسه لا تتردّد في استخدام القوة بوتيرة متصاعدة ومدروسة. هذا التناقض الظاهري هو في الواقع جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية: تحقيق أهداف الحرب من دون خوض الحرب نفسها.
تعتمد إسرائيل ما يمكن تسميته بـ«العدوان المُدار»، أي ضربات محسوبة، توسّع جغرافي تدريجي، ورسائل نارية تتجاوز الميدان العسكري لتطال الداخل اللبناني سياسياً ونفسياً. الهدف ليس الحسم السريع، بل استنزاف الخصم حسب تقديراتهم ، وفرض معادلات جديدة يصبح التراجع عنها أكثر كلفة مع مرور الوقت.
فاستهداف العمق والبقاع، ليس تفصيلاً تقنياً، بل رسالة واضحة مفادها أن لا مناطق آمنة، وأن الجغرافيا اللبنانية برمّتها باتت ضمن بنك الأهداف. هكذا تُعاد صياغة مفهوم الردع، لا عبر الاجتياح، بل عبر توسيع هامش النار.
إلى جانب البعد العسكري، تراهن إسرائيل على الضغط السياسي والنفسي. فكل ضربة في العمق لا تستهدف فقط منطقة جغرافية ، بل تضرب أيضاً الاستقرار الداخلي، وتضع الدولة اللبنانية أمام عجز متكرر، وتعمّق الانقسام حول كلفة المواجهة وحدودها. إنها محاولة لتحويل العدوان الخارجي إلى أزمة داخلية، بحيث يصبح الضغط على لبنان من الداخل مكمّلاً للقصف من الخارج.
لكن لماذا لا تذهب إسرائيل إلى حرب شاملة؟ الجواب بسيط ومعقّد في آن. الحرب المفتوحة مكلفة، وغير مضمونة النتائج، وقد تفتح جبهات إقليمية متعددة، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى الحفاظ على هامش مناورة سياسي ودولي. لذلك، يبدو خيار التصعيد المتدرّج أكثر ملاءمة: ضغط مستمر، مكاسب صغيرة متراكمة، وكلفة محدودة نسبياً.
مع ذلك، يبقى هذا المسار محفوفاً بالمخاطر. فالتصعيد المضبوط قد ينفلت عند أول خطأ في الحسابات أو سوء تقدير في الردود. وكلما طال أمد هذا النمط من العدوان، ارتفعت احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع، حتى لو لم يكن أي طرف راغباً فيها.
الخطر الأكبر لا يكمن فقط في القصف نفسه، بل في اعتياده. حين يتحوّل استهداف العمق إلى خبر يومي، وحين يصبح خرق السيادة أمراً عادياً، تكون إسرائيل قد نجحت في فرض أحد أخطر وقائعها: تطبيع العدوان. من هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام لبنان ليس فقط في كيفية الردّ، بل في كيفية منع تثبيت هذا الواقع الجديد.
ما يجري اليوم هو معركة على المعادلات، لا على الجبهات فقط. وإدراك طبيعة هذه المعركة هو الخطوة الأولى لمنع خسارتها