قرارات مالية أم مخاطرة اجتماعية؟
“كتب الاعلامي حسين مرتضى”
في خضم الأزمة المالية الخانقة، أقدمت الحكومة على حزمة قرارات تمثلت في زيادة سعر صفيحة البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة، مقابل منح زيادات رواتب للقطاع العام. وبينما رُوّج لهذه الخطوات باعتبارها معالجة ضرورية لتعزيز إيرادات الخزينة وتحسين أوضاع الموظفين، سرعان ما تحوّل النقاش العام إلى تساؤلات جوهرية حول كلفتها الفعلية على المجتمع وقدرة المواطنين على تحمّل تبعاتها.
فعلى المستوى النظري، تبدو زيادة الرواتب خطوة إيجابية طال انتظارها، خصوصاً في ظل التدهور الكبير في القدرة الشرائية. إلا أن الواقع الاقتصادي يشير إلى معادلة أكثر تعقيداً: أي ارتفاع في أسعار المحروقات ينعكس مباشرة على كلفة النقل وأسعار السلع الأساسية والخدمات، كما أن رفع الضريبة على القيمة المضافة يطال مختلف مفاصل الاستهلاك اليومي. وبذلك، فإن الجزء الأكبر من الزيادات المعلنة في الرواتب قد يتآكل سريعاً تحت وطأة موجة تضخمية جديدة.
هذا التناقض بين العائد النقدي المباشر والكلفة المعيشية غير المباشرة يطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المقاربة المعتمدة. فالإجراءات الراهنة تبدو أقرب إلى حلول إيرادية آنية تركز على سدّ فجوة مالية، من دون أن ترافقها رؤية إصلاحية شاملة تعالج جذور الأزمة البنيوية. ومع غياب شبكة أمان اجتماعي فعالة، يصبح العبء موزعاً بشكل غير متكافئ، ما يعمّق الفوارق الاجتماعية ويزيد من معدلات الفقر.
المشهد الميداني عكس سريعاً حساسية المرحلة. احتجاجات وقطع طرقات في عدد من المناطق شكّلت مؤشراً واضحاً إلى حجم الاحتقان الشعبي، وإلى هشاشة الاستقرار الاجتماعي في ظل ضغوط معيشية متراكمة. فالاقتصاد ليس مجرد أرقام في موازنة، بل منظومة تؤثر مباشرة في الأمن الاجتماعي، وأي خلل في التوازن بين الإيرادات والعدالة الاجتماعية قد يفتح الباب أمام تداعيات أمنية يصعب احتواؤها لاحقاً.
كما يبرز سؤال أساسي حول مدى إجراء تقييم شامل للانعكاسات الاجتماعية والسياسية لهذه القرارات قبل إقرارها. فالمعالجات المالية، مهما بلغت ضرورتها، تحتاج إلى قراءة دقيقة لقدرة المجتمع على التحمّل، وإلى سياسات مرافقة تخفف الأثر عن الفئات الأكثر هشاشة. وإلا فإن النتيجة قد تكون اتساع فجوة الثقة بين الدولة والمواطنين.
اليوم، تقف البلاد أمام مفترق دقيق: إما الاكتفاء بإجراءات موضعية تعالج العجز الآني وتؤجل الانفجار الاجتماعي، أو الانتقال إلى مقاربة إصلاحية متكاملة توازن بين متطلبات الاستقرار المالي وضرورات الأمن الاجتماعي. فالاستقرار لا يُبنى فقط على أرقام الخزينة، بل على شعور الناس بالعدالة والقدرة على العيش بكرامة.
وفي ظل مواسم ترتفع فيها الأعباء المعيشية، تصبح الحاجة أكثر إلحاحاً إلى سياسات تتسم بالحساسية الاجتماعية، وتضع الإنسان في صلب القرار الاقتصادي. لأن أي خطة إنقاذ لا تراعي هذا البعد، قد تتحول من محاولة علاج إلى عامل ضغط إضافي يهدد بنية المجتمع أكثر مما يصلح أزمة الدولة.