القنطرة.. بوابة الليطاني التي استعصت على الحديد: قراءة في مآلات “كسر العظم” بجنوب لبنان
كتب الاعلامي حسين مرتضى
بينما كانت آليات الاحتلال الإسرائيلي تتقدم في “النطاق الثاني” من قرى الجنوب اللبناني، ظانّةً أن “سياسة الأرض المحروقة” قد مهدت لها الطريق، اصطدم طموحها العسكري بجغرافيا معقدة وإرادة قتالية حولت بلدة القنطرة وأخواتها إلى “مقبرة للميركافا”.
نحن اليوم أمام مشهد ميداني يتجاوز فكرة التوغل المحدود، ليدخل في مرحلة “المناورة الخطرة” التي تهدف للوصول إلى مشارف الليطاني.
أولاً: جغرافيا “السيطرة النارية” – لماذا القنطرة؟
لم يكن اختيار محور (الطيبة – دير سريان – القنطرة) عفوياً؛ فالاحتلال يسعى من خلال هذا المثلث إلى إحكام قبضته على التلال الحاكمة التي تشرف مباشرة على وادي السلوقي.
السيطرة على القنطرة تعني عسكرياً قطع أوصال التواصل الدفاعي بين القطاعين الأوسط والشرقي، ووضع مجرى نهر الليطاني تحت رحمة الرؤية البصرية والاشتباك المباشر.
إلا أن ما حدث بالأمس واليوم (26 مارس 2026) قلب الموازين؛ حيث تحولت هذه التلال من نقاط سيطرة مفترضة للعدو إلى كمائن صيد لمنظومات “الماس” الموجهة وصواريخ “الكورنيت”، التي أثبتت أن التفوق الجوي لا يحسم المعركة فوق تراب الجنوب.
ثانياً: استراتيجية “الاستدراج والتقتيل”
تعتمد المقاومة حالياً تكتيك “الدفاع المرن”؛ فهي لا تستميت في منع الدخول إلى “حافة القرى” بقدر ما تسعى لاستدراج القوات المدرعة إلى بقع تقتيل محددة
فاتورة الحديد: تدمير نحو 21 دابة ميركافا في غضون 24 ساعة بمحور القنطرة وحده، يمثل صدمة استراتيجية لسلاح المدرعات الإسرائيلي
الالتحام المباشر: الاشتباكات من مسافة صفر في أحياء القنطرة تؤكد أن “تطهير الأرض” الذي يزعمه إعلام الاحتلال ليس سوى وهم غطته سحب الدخان؛ فالمقاوم يخرج من تحت الركام ليعيق حركة الإخلاء ويستهدف فرق الإنقاذ (الوحدة 669).
ثالثاً: تقدير الموقف الاستراتيجي – صراع الإرادات
يمكن تلخيص المشهد الحالي في ثلاث نقاط جوهرية:
1. معضلة “المنطقة العازلة”: يحاول نتنياهو فرض واقع جغرافي بعمق 8 كيلومترات لاستخدامه ورقة ضغط في المفاوضات الدولية. لكن الكلفة البشرية والمادية الباهظة في القنطرة وبنت جبيل والخيام تجعل من هذا العمق “ثقباً أسود” يستنزف قدرات جيش الاحتلال دون تحقيق استقرار ميداني
2. توازن الردع (ميدان مقابل عمق): بينما كان الاحتلال يحاول التوغل في القنطرة، كانت صواريخ المقاومة النوعية تضرب “الكرياه” في تل أبيب. هذه المعادلة تقول بوضوح: “التوغل البري لن يحمي المستوطنات، بل سيزيد من منسوب النار فوق رؤوسكم”
3. حرب الجسور والإمداد: تعمد العدو تدمير الجسور الرابطة (القاسمية، طيرفلسيه، ووادي الحجير) يعكس رغبة إسرائيلية في عزل الجبهة تماماً، وتحويلها إلى منطقة معزولة نارياً. لكن “جغرافيا الوديان” في الجنوب، وخبرة المقاومة في التمويه، تجعل من حصار الميدان أمراً شبه مستحيل.
الخلاصة: الميدان هو المبتدأ والخبر نحن أمام مرحلة “كسر العظم”. الاحتلال يراهن على تفوقه التكنولوجي وقدرته التدميرية، والمقاومة تراهن على صمود المقاتل ودقة السلاح المضاد للدروع.
إن صمود محور القنطرة ليس مجرد دفاع عن بلدة، بل هو دفاع عن الخطوط الخلفية التي تمنع الاحتلال من تحقيق نصر “صوري” يبحث عنه في ركام القرى الجنوبية.
الساعات القادمة حبلى بالتطورات، والميدان وحده هو من سيكتب السطر الأخير في هذه المواجهة.