بعد قصف الضاحية… هل دخلت المنطقة مرحلة تثبيت المعادلات بالقوة
كتب الإعلامي حسين مرتضى
لم يعد ما يجري في المنطقة مجرد تبادل رسائل محسوبة أو عمليات محدودة تحت سقف الضوابط التقليدية.
التطورات الأخيرة، بدءاً من الاعتداء الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت وصولاً إلى الرد الإيراني والتصعيد المتدرج في أكثر من ساحة، تكشف بوضوح أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: إعادة رسم قواعد الاشتباك بالقوة.
الاعتداء الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لم يكن حدثاً معزولاً أو تفصيلاً أمنياً عابراً، بل جاء في سياق محاولة إسرائيلية واضحة لاختبار رد فعل محور المقاومة، ومحاولة فرض معادلة جديدة تقوم على استفراد لبنان وفصل الجبهات عن بعضها البعض.
تل أبيب أرادت أن تقول إنها قادرة على ضرب الضاحية دون أن تدفع أثماناً استراتيجية، وأنها ما زالت صاحبة اليد العليا في إدارة المشهد الإقليمي.
لكن الرد الذي جاء لاحقاً حمل مؤشرات مغايرة تماماً.
المشهد الحالي يؤكد أن المقاربة الإيرانية تجاه التطورات الإقليمية تبدلت بصورة جذرية. فطهران، ومعها قوى المحور، لم تعد تتعامل مع الاعتداءات بمنطق امتصاص الضربات أو تدوير الزوايا بانتظار تسويات سياسية.
ما جرى خلال الأيام الأخيرة، سواء عبر استهداف مواقع وقواعد تستخدمها الولايات المتحدة في الخليج، أو من خلال الردود الميدانية المتدرجة، يعكس انتقالاً واضحاً نحو سياسة تثبيت الردع المباشر.
الرسالة الأساسية التي أرادت إيران إيصالها هي أن زمن الضربات المجانية قد انتهى، وأن أي محاولة لتكريس معادلة فصل المسارات أو تجاوز الخطوط الحمراء في بيروت والضاحية لن تمر من دون رد.
ورغم أن العدوان الإسرائيلي الأخير لم يسفر عن خسائر بشرية كبيرة، فإن التعامل معه جاء باعتباره اختباراً سياسياً واستراتيجياً بالغ الخطورة. لذلك كان القرار بعدم تجاهله، لأن التغاضي عنه كان سيؤسس لمرحلة جديدة تسمح لإسرائيل بتوسيع هامش الاعتداءات على لبنان تحت عنوان “الاحتواء المحدود”.
في المقابل، جاء الرد الإيراني وبداية التحرك من الجبهة اللبنانية ليؤكدا أن الضاحية الجنوبية وبيروت ليستا ساحات مكشوفة، وأن أي استهداف لهما يعني عملياً فتح الباب أمام تفاعل أوسع على مستوى المنطقة.
كل المؤشرات الحالية تدل على أن احتمالات التدحرج لا تزال قائمة، وأن المنطقة تعيش مرحلة شديدة الحساسية قد تمتد أياماً أو حتى أسابيع، بانتظار اتضاح حجم الردود والردود المضادة.
فالمواجهة لم تعد محصورة بجبهة واحدة، بل باتت مرتبطة بتشابك الساحات من الخليج إلى لبنان مروراً بسوريا والعراق. وفي هذا السياق، يبدو واضحاً أن الولايات المتحدة نفسها دخلت في حالة استنزاف متزايدة، خصوصاً مع استمرار فرض معادلات جديدة مرتبطة بحركة الملاحة والطاقة ومضيق هرمز، حيث باتت إيران تملك قدرة متنامية على التأثير في الممرات الحيوية وإدارة إيقاع الضغط الإقليمي.
أحد أبرز العناوين التي كرستها التطورات الأخيرة هو إعادة تثبيت معادلة “وحدة الساحات”.
فكل ما قيل خلال الأشهر الماضية عن تفكك المحور أو تراجع التنسيق بين مكوناته تلقى ضربة واضحة مع طبيعة الردود المتزامنة والرسائل الميدانية والسياسية المتقاطعة.
بل إن هذه الجولة قد تتحول إلى فرصة لإعادة إدخال ملف الجنوب اللبناني والاعتداءات الإسرائيلية عليه ضمن أي مفاوضات إقليمية مقبلة حول وقف إطلاق النار أو ترتيبات التهدئة، بدلاً من إبقاء الساحة اللبنانية رهينة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المنفصلة عن بقية الملفات.
أما الموقف الأمريكي، وخصوصاً التصريحات التي حاولت النأي بواشنطن عن الاعتداء الإسرائيلي على الضاحية، فيعكس بوضوح حجم القلق الأمريكي من الانزلاق إلى مواجهة واسعة لا تبدو الإدارة الأمريكية مستعدة لها حالياً.
الحديث عن أن الضربات لم تكن منسقة مع واشنطن لا يخرج عن إطار توزيع الأدوار ومحاولة خلق هامش سياسي يسمح للأمريكي بالمناورة وتخفيف احتمالات التورط المباشر.
على الجبهة السورية أيضاً، تبدو الصورة شديدة الوضوح. فهناك رسائل إيرانية حاسمة نُقلت إلى الجانب التركي لتحذير أبو محمد الجولاني من أي محاولة لاستغلال التطورات الحالية للتقدم باتجاه لبنان أو توسيع الاشتباك داخل الساحة السورية.
طهران أبلغت بوضوح أن أي مغامرة من هذا النوع ستقابل برد مباشر قد يشمل استهداف مواقع أمريكية داخل سوريا وفتح مسارات تصعيد إضافية في المنطقة. وهذا يعني أن أي خطأ في الحسابات خلال هذه المرحلة قد يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع، خصوصاً مع استمرار حالة الاستنفار السياسي والعسكري في أكثر من ساحة، وإقدام دول عدة على اتخاذ إجراءات احترازية، كما حصل مع إعلان العراق إغلاق أجوائه لاثنتين وسبعين ساعة.
المنطقة اليوم أمام مرحلة مختلفة بالكامل. لم تعد المعادلات القديمة قائمة، ولم يعد ممكناً إدارة الصراع بالأساليب نفسها. ما بعد الضاحية ليس كما قبلها، وما يجري حالياً قد يكون بداية تثبيت توازنات جديدة تُفرض بالنار والسياسة معاً.