لبنان عقدة الاتفاق… والميدان يفرض شروطه

كتب الاعلامي حسين مرتضى

في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، يبرز الاتفاق الإيراني–الأمريكي الأخير كأحد أبرز التطورات السياسية التي قد تعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة. لكن بعيداً عن العناوين العريضة والتسريبات المتداولة، يبدو أن الطريق إلى تثبيت هذا الاتفاق لا يزال مليئاً بالعقبات، وأن الساحة اللبنانية تحولت إلى الاختبار الحقيقي لمدى قدرته على الصمود والاستمرار.

المعلومات المتداولة تشير إلى أن الاتفاق جرى توقيعه إلكترونياً بناءً على طلب إيراني، في خطوة تعكس حساسية المشهد السياسي بين الطرفين. ويتضمن الاتفاق سلسلة إجراءات تبدأ بوقف إطلاق النار على مختلف الجبهات، مروراً بفك الحصار عن إيران وإعادة فتح حركة الملاحة في مضيق هرمز، وصولاً إلى الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة واستئناف تصدير النفط الإيراني. كما يمنح الطرفين مهلة تفاوضية تمتد ستين يوماً لمعالجة الملفات التقنية والسياسية العالقة.

لكن رغم أهمية هذه البنود، فإن مستقبل الاتفاق لا يُحسم في غرف التفاوض وحدها، بل على أرض الميدان، وتحديداً في لبنان. فالمعطيات المتوافرة تؤكد أن طهران أبلغت قيادة المقاومة بشكل واضح أن أي اتفاق لن يكون قابلاً للحياة إذا استمر الاحتلال الإسرائيلي في اعتداءاته وانتهاكاته أو رفض الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة.

من هنا يمكن فهم السلوك الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة. فبنيامين نتنياهو، الذي يواجه أزمات داخلية وخارجية متراكمة، يدرك أن نجاح الاتفاق سيضعه أمام وقائع سياسية جديدة لا تنسجم مع حساباته. لذلك سعى إلى رفع مستوى التصعيد وارتكاب المزيد من المجازر والاعتداءات أملاً في استدراج المقاومة إلى رد واسع يؤدي إلى نسف التفاهمات القائمة وإعادة خلط الأوراق.

ميدانياً، لم تكن محاولة السيطرة على منطقة علي الطاهر سوى ترجمة عملية لهذا التوجه. فالمنطقة تتمتع بأهمية استراتيجية وجغرافية بالغة، وقد اعتقد جيش الاحتلال أن السيطرة عليها ستمنحه ورقة قوة إضافية على طاولة المفاوضات. إلا أن الوقائع الميدانية جاءت مختلفة، حيث واجهت قوات الاحتلال مقاومة شرسة أدت إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوفها وأفشلت تحقيق الأهداف المرسومة للعملية.

في المقابل، تؤكد المقاومة التزامها بوقف إطلاق النار، لكن وفق قاعدة واضحة لا لبس فيها: الالتزام المتبادل. فلا يمكن القبول بمعادلة تمنح الاحتلال حق الاعتداء فيما يُطلب من لبنان والمقاومة الاكتفاء بالمراقبة. ولهذا السبب يتمسك حزب الله بضرورة وجود جدول زمني واضح ومحدد للانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، رافضاً كل الطروحات التي تتحدث عن بقاء قوات الاحتلال في مناطق معينة أو فرض ما يسمى “حرية الحركة” داخل الأراضي اللبنانية، وهي الصيغة التي لا تعني عملياً سوى استمرار الاعتداءات تحت مسمى جديد.

وفي موازاة الضغوط العسكرية، يمارس الاحتلال حرباً نفسية وسياسية تستهدف أيضاً الوفد اللبناني الرسمي المتوجه إلى واشنطن، في محاولة لتحسين شروطه التفاوضية وفرض وقائع جديدة قبل انطلاق أي جولة حوار.

أما على مستوى العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، فتظهر مؤشرات متزايدة على وجود تباين بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فالإدارة الأمريكية تبدو معنية بتثبيت وقف إطلاق النار وإنجاح الاتفاق، بينما يواصل نتنياهو البحث عن مخارج تسمح له بالمماطلة أو تعطيل المسار القائم. ولذلك تبدو الأيام المقبلة شديدة الحساسية، إذ ستكشف ما إذا كان نتنياهو سيخضع للضغوط الأمريكية المتزايدة أم سيواصل رهانه على التصعيد.

في المحصلة، لم يعد الملف اللبناني مجرد تفصيل في الاتفاق الإيراني–الأمريكي، بل أصبح نقطة الارتكاز الأساسية فيه. فنجاح الاتفاق أو سقوطه بات مرتبطاً إلى حد كبير بما ستؤول إليه التطورات على الجبهة اللبنانية، حيث يواصل الميدان فرض شروطه، وتبقى المقاومة عاملاً حاسماً في رسم معادلات المرحلة المقبلة.