الخليج على حافة الاشتعال: هل دخلت واشنطن المصيدة الإيرانية؟

كتب الاعلامي حسين مرتضى

أعاد التصعيد العسكري الأخير في اليمن والخليج رسم مشهد المواجهة بين الولايات المتحدة والمحور الذي تقوده إيران، في لحظة تبدو الأكثر حساسية منذ أشهر. فقصف مدرجي مطار صنعاء الدولي، بالتزامن مع التحركات العسكرية الأمريكية في الخليج، لا يُقرأ بوصفه حدثاً ميدانياً معزولاً، بل باعتباره جزءاً من محاولة لإعادة خلط الأوراق بعد مرحلة من التهدئة النسبية التي استفادت منها طهران وحلفاؤها.

استهداف مطار صنعاء لم يكن مجرد ضربة لتعطيل الملاحة الجوية، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، بعدما كانت طائرة إيرانية قد نقلت وفداً يمنياً للمشاركة في مراسم تشييع الإمام السيد علي الخامنئي، وكان من المقرر أن تعود إلى صنعاء قبل أن يُقصف المدرجان الرئيسيان، ما اضطرها إلى تغيير وجهتها نحو مطار الحديدة. هذا التزامن يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت الضربة تحمل رسالة أمريكية عبر التحالف، هدفها تضييق هامش الحركة أمام اليمن وإيران، وإعادة إشعال جبهة كانت قد شهدت انخفاضاً ملحوظاً في مستوى التوتر.

في المقابل، يبدو أن طهران تعاملت مع مرحلة التفاهمات المؤقتة مع واشنطن بمنطق مختلف تماماً. فبينما اعتقدت الإدارة الأمريكية أن الاتفاقات المرحلية ستفرض على إيران تنازلات تدريجية، استثمرت القيادة الإيرانية تلك المرحلة في إعادة بناء قدراتها الدفاعية، وتعزيز اقتصادها عبر استمرار تصدير النفط، وتأمين احتياجات الداخل، إلى جانب منح حلفائها في لبنان واليمن وسائر محور المقاومة فرصة لإعادة التموضع وترميم القدرات. وبذلك، تحولت التهدئة بالنسبة لطهران إلى فترة إعداد استراتيجية، لا إلى مرحلة تراجع أو تنازل.

هذه المعادلة تفسر جانباً من الإرباك الذي يطغى على الأداء الأمريكي في المرحلة الحالية. فوفق القراءة الإيرانية، لم تحقق واشنطن أياً من أهدافها الرئيسية، سواء في ملف مضيق هرمز أو في تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني، بل وجدت نفسها أمام خصم خرج من مرحلة التفاهمات أكثر تماسكاً وقدرة على المناورة، وهو ما دفع بعض دوائر القرار الأمريكية إلى إعادة النظر في حساباتها.

ويظهر هذا الإرباك أيضاً في طبيعة الضربات العسكرية الأخيرة، حيث يشير مراقبون إلى أن بنك الأهداف الأمريكي بات أقل دقة وأكثر عشوائية، مع انتقال الاستهداف من المنشآت الحيوية إلى مواقع هامشية أو أهداف يعتقد أنها ذات قيمة استخبارية محدودة، الأمر الذي يعكس، وفق هذا التقدير، تراجع القدرة على إصابة أهداف استراتيجية مؤثرة داخل إيران.

وفي تطور لا يقل خطورة، تتسع رقعة المواجهة جغرافياً. فالمعطيات المتداولة عن استخدام مواقع في الكويت لإطلاق صواريخ باتجاه الأراضي الإيرانية تعني، إذا صحت، أن مسرح العمليات لم يعد محصوراً بالخليج أو البحر الأحمر، بل بات يشمل قواعد أمريكية منتشرة في دول المنطقة. وفي المقابل، تؤكد طهران أن أي قاعدة أو منشأة تستخدم في استهدافها ستدخل تلقائياً ضمن بنك أهدافها، سواء في الكويت أو البحرين أو الأردن، ما يرفع مستوى المخاطر على مجمل الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة.

إن المشهد الحالي يوحي بأن الشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق حقيقي. فإما أن تتدحرج الأحداث نحو مواجهة أوسع تتجاوز في جغرافيتها وقواعد اشتباكها كل الجولات السابقة، وإما أن تنجح الوساطات في إعادة إحياء التفاهمات ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.

في المحصلة، تبدو واشنطن اليوم أمام معادلة أكثر تعقيداً مما كانت تتوقع. فهي تسعى إلى توجيه ضربات محدودة تحفظ هيبتها وتفرض ضغوطاً على خصومها، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب حرب واسعة قد تخرج عن السيطرة. أما طهران، فتسعى إلى استثمار ما تعتبره تفوقاً في إدارة الوقت والميدان، مع الحفاظ على معادلة الردع وإبقاء زمام المبادرة بيدها. وبين هذين المسارين، يبقى الخليج مفتوحاً على احتمالات متعددة، سيكون مسارها مرهوناً بقدرة الأطراف على إدارة التصعيد أو احتوائه قبل أن يتحول إلى مواجهة لا يمكن ضبط إيقاعها.