العفو والجنوب والحرب المقبلة… لماذا سقطت رهانات واشنطن و”إسرائيل”؟
كتب الإعلامي حسين مرتضى
في لبنان، لم يعد من الممكن فصل الملفات الداخلية عن التحولات الإقليمية. فالعفو العام، ومستقبل الجنوب، والمفاوضات الإيرانية–الأمريكية، وحتى احتمالات الحرب المقبلة، جميعها باتت حلقات في مشهد واحد تتداخل فيه الحسابات المحلية مع الصراعات الدولية. ولذلك، فإن أي مقاربة لهذه القضايا خارج سياقها الحقيقي لن تقود إلا إلى مزيد من الالتباس.
في ملف العفو العام، برز خلال الأشهر الماضية خطاب سياسي وإعلامي حاول ربط المطالبة بمعالجة أوضاع السجناء والموقوفين بالطائفة الشيعية، وكأنها تدافع عن تجار المخدرات أو المطلوبين للقضاء. هذا الطرح لا يهدف إلى معالجة أزمة قضائية، بل إلى شيطنة شريحة واسعة من اللبنانيين وتحويل قضية إنسانية وقانونية إلى مادة للتحريض الطائفي.
الحقيقة أن السجون اللبنانية تضم موقوفين ومحكومين من مختلف المناطق والطوائف، ولا يمكن اختزال الأزمة بمنطقة أو بيئة معينة. أما في بعلبك – الهرمل، فإن المطالب الشعبية تتركز أساساً على إنهاء آلاف ملفات مذكرات التوقيف المتعلقة بمخالفات قديمة، وإطلاق نار، وإشكالات فردية، وهي ملفات بقيت مفتوحة لسنوات طويلة نتيجة بطء القضاء وتعقيد الإجراءات، وليس لأنها مرتبطة حصراً بتجارة المخدرات كما يحاول البعض الإيحاء.
وفي الوقت نفسه، فإن العدالة لا يمكن أن تكون عنواناً فضفاضاً. فهناك فرق واضح بين من ينتظر محاكمته منذ سنوات دون حكم قضائي، وبين من ثبت تورطه في جرائم إرهابية أو في قتل عناصر الجيش اللبناني أو المشاركة في تفجيرات أو الاعتداء على العسكريين. هؤلاء لا يمكن أن يشملهم أي عفو، لأن حقوق الضحايا وعائلات الشهداء لا تسقط بالمساومات السياسية، ولأن الدولة التي تتساهل مع من سفك دماء جنودها إنما تهدم أسس العدالة التي تقوم عليها.
وينطبق الأمر ذاته على ملف العملاء. هناك من تعاون مباشرة مع الاحتلال وشارك في قتل أبناء الجنوب وتعذيبهم. وهنا أيضاً يصبح التمييز واجباً، فلا يجوز وضع الجميع في سلة واحدة، لأن العدالة لا تتحقق بالعفو الجماعي، بل بدراسة كل ملف على حدة وفق القانون.
ومن هنا، فإن الحديث عن عفو عام شامل يبدو أقرب إلى الشعار السياسي منه إلى الحل الواقعي. فتعقيدات الملفات وتنوعها تجعل أي عفو عشوائي مدخلاً لإطلاق مجرمين وإثارة انقسامات جديدة، بينما يبقى الحل الحقيقي في تسريع عمل القضاء، وإنصاف المظلومين، ومحاسبة المجرمين كل بحسب مسؤوليته.
أما خارج الحدود اللبنانية، فإن الكواليس التي تكشفت خلال المرحلة الماضية تعكس حجم الترابط بين الملف اللبناني والمفاوضات الإيرانية–الأمريكية. وتشير المعطيات إلى أن واشنطن حاولت إقناع طهران بفصل المسارات، مقدمةً عروضاً تتعلق بتخفيف الضغوط الاقتصادية، والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، وتسهيل الحركة البحرية في مضيق هرمز، مقابل إخراج لبنان من معادلة التفاوض.
إلا أن القيادة الإيرانية رفضت هذا الطرح، وأكدت أن أي تفاهم لا يمكن أن يقوم على حساب لبنان أو شعبه. ومن وجهة نظرها، فإن أي حل يبدأ أولاً بوقف شامل لإطلاق النار، وثانياً بانسحاب الاحتلال الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، باعتبار أن أي صيغة تتجاوز هذين الشرطين ليست سوى محاولة لإدارة الأزمة لا لحلها.
وفي المقابل، بدت بعض الأوساط اللبنانية وكأنها تراهن على نجاح المفاوضات المباشرة مع الاحتلال عبر وسطاء دوليين. غير أن الوقائع الميدانية سرعان ما أسقطت هذه الرهانات، بعدما واصل بنيامين نتنياهو تمسكه بالمنطقة المحتلة جنوب لبنان، ورفض أي انسحاب، مع استمرار الاعتداءات اليومية وتوسيع نطاق العمليات العسكرية.
وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن ما سمي بـ”المناطق التجريبية” كواحد من أخطر المشاريع التي طُرحت خلال الأشهر الماضية. فالهدف الحقيقي، بحسب القراءة الميدانية، لم يكن حماية الجنوب أو تثبيت الاستقرار، بل محاولة دفع الجيش اللبناني إلى مواجهة مباشرة مع بيئة المقاومة تحت عنوان نزع السلاح، وهو ما أدركت مخاطره المؤسسات الرسمية اللبنانية، وفي مقدمتها رئيس مجلس النواب نبيه بري وقيادة الجيش.
وفي المقابل، تؤكد الوقائع أن المقاومة التزمت بما نص عليه اتفاق تشرين 2024، وانسحبت إلى شمال الليطاني، وانتشر الجيش اللبناني في المناطق المحددة، بشهادة لجان المراقبة الدولية. لكن الاحتلال لم يلتزم بتعهداته، واستمر في خروقاته اليومية واحتلاله لأجزاء من الأراضي اللبنانية، ما جعل الحديث عن تنفيذ متوازن للقرار 1701 يفتقد إلى أي أساس عملي.
ولا يقل الجدل حول مزارع شبعا أهمية عن بقية الملفات، إذ تتكرر محاولات التشكيك بلبنانيتها لتبرير استمرار الاحتلال أو نزع شرعية المقاومة. إلا أن الوقائع السياسية والقانونية تشير إلى توافق لبناني–سوري على أن المزارع أرض لبنانية محتلة، وأن ترسيم الحدود بين البلدين يتم بعد إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وليس قبله.
أما المشهد الإقليمي، فيتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً. فالمؤشرات العسكرية والسياسية توحي بأن المنطقة لا تسير نحو تسوية شاملة، بل نحو جولة جديدة من الصراع. ومع استمرار الضغوط الأمريكية في الخليج، والتطورات المرتبطة بمضيق هرمز، وتعزيز إيران لقدراتها العسكرية، تبدو احتمالات المواجهة أكثر حضوراً من أي وقت مضى.
وفي حال اندلاع هذه المواجهة، فإنها لن تشبه الحروب السابقة، سواء من حيث حجم النيران أو طبيعة الأسلحة أو اتساع رقعة الاشتباك. ومع ذلك، فإن الساحة اللبنانية تبقى محكومة بخصوصيتها، حيث تشير التقديرات إلى أن أي تصعيد سيبقى مرتبطاً بالمناطق الحدودية المحتلة جنوب الليطاني، باعتبارها ساحة الاشتباك المباشر، مع استمرار المقاومة في اعتبار تحرير الأرض ومواجهة الاحتلال حقاً مشروعاً لا يسقط بالتقادم.
وهكذا، تبدو الصورة أكثر وضوحاً: لا يمكن فصل العفو عن العدالة، ولا الجنوب عن الاحتلال، ولا المفاوضات عن الوقائع الميدانية. وبين محاولات فرض الوقائع السياسية بالقوة، وإصرار قوى المنطقة على تثبيت معادلات جديدة، يبقى لبنان أمام مرحلة دقيقة، عنوانها الأساسي أن الأزمات المؤجلة لا تُحل بالشعارات، بل بالعدالة والسيادة، وبقراءة واقعية لموازين القوى التي يعاد رسمها في المنطقة بأسرها.