إغلاق هرمز… حين تتحول الطاقة إلى سلاح وتصبح المنطقة على حافة الانفجار

كتب الإعلامي حسين مرتضى

لم تعد المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرد تبادل للرسائل العسكرية أو السياسية، بل دخلت مرحلة جديدة تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي، لتطال الاقتصاد العالمي وخطوط الطاقة والممرات البحرية الاستراتيجية. وفي قلب هذا المشهد يبرز مضيق هرمز بوصفه نقطة الارتكاز التي قد تعيد رسم موازين القوى، ليس في الخليج فحسب، بل على امتداد النظام الاقتصادي الدولي.

تدرك طهران أن أي مواجهة طويلة الأمد لا تُحسم فقط بعدد الصواريخ أو الطائرات، بل بقدرة كل طرف على استنزاف خصمه في نقاط ضعفه الأكثر حساسية. ومن هنا، يبدو أن التلويح بإغلاق مضيق هرمز لم يعد مجرد ورقة ضغط سياسية، بل خيارًا استراتيجيًا يدخل ضمن مفهوم الرد غير المتماثل، الذي يقوم على نقل المعركة من الميدان العسكري إلى الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

القراءة الإيرانية للمشهد تنطلق من معادلة واضحة: الولايات المتحدة تواجه تحديات اقتصادية داخلية، وتراجعًا في احتياطيات الطاقة، وأي اضطراب جديد في تدفق النفط سيرفع أسعار المحروقات بصورة مباشرة، وهو ما سينعكس على معدلات التضخم، ويضع الإدارة الأمريكية أمام ضغوط داخلية متزايدة، خاصة في ظل الحسابات السياسية والانتخابية. لذلك، فإن أي إغلاق كامل أو جزئي لمضيق هرمز لن يكون استهدافًا للأساطيل العسكرية بقدر ما سيكون استهدافًا للعصب الاقتصادي الذي تعتمد عليه الأسواق العالمية.

في المقابل، تشير التقديرات إلى أن إيران لم تعتمد سياسة الرد السريع، بل عملت خلال الفترة الماضية على تطوير منظومة متكاملة من الردود الدفاعية والهجومية، مستفيدة من عامل الوقت لإعادة بناء قدراتها وتعزيز وسائلها العسكرية. وتقوم هذه المقاربة على استخدام تكتيكات متعددة تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة ضمن أنماط عمليات معقدة تهدف إلى إرباك منظومات الدفاع الجوي المتطورة وإغراقها بأهداف متعددة في توقيت واحد، بما يرفع كلفة أي مواجهة مباشرة.

لكن المواجهة، وفق هذا التصور، لا تتوقف عند حدود الخليج. فالتطورات الأخيرة في اليمن توحي بأن باب المندب بات جزءًا أساسيًا من معادلة الردع الجديدة. فالضربات التي طالت أهدافًا داخل السعودية بعد استهداف مطار صنعاء حملت رسالة واضحة مفادها أن أي تصعيد ضد إيران قد يفتح في المقابل جبهات بحرية وبرية متعددة، تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، مرورًا بخطوط الملاحة الدولية التي تشكل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية.

وإذا ما اجتمع الضغط على مضيق هرمز مع تهديد الملاحة في باب المندب، فإن العالم سيكون أمام أزمة طاقة غير مسبوقة، خصوصًا إذا تعرضت أيضًا خطوط نقل النفط البديلة أو البنية التحتية للطاقة لأي تعطيل. عندها لن تكون الأزمة إيرانية أمريكية فحسب، بل أزمة اقتصادية عالمية تدفع ثمنها الأسواق والصناعات والدول المستوردة للطاقة.

في المقابل، لا تستبعد التقديرات العسكرية أن تلجأ الولايات المتحدة إلى عمليات تستهدف منظومات الدفاع الجوي الإيرانية أو منشآت حساسة داخل العمق الإيراني، في محاولة لفتح المجال أمام ضربات أوسع ضد المنشآت النووية أو المواقع العسكرية الاستراتيجية. إلا أن الرؤية الإيرانية تقوم على أن أي عملية من هذا النوع ستقابل برد واسع النطاق، قد يشمل استهداف قواعد ومصالح أمريكية وحليفة في المنطقة، بما يوسع دائرة الاشتباك إلى مستويات يصعب احتواؤها.

أما الاحتلال الإسرائيلي، فيبدو أنه يؤدي دورًا مكمّلًا ضمن هذه المعادلة، عبر التركيز على العمليات الاستخبارية والاغتيالات ومحاولات إرباك الداخل الإيراني، سواء من خلال استهداف شخصيات مؤثرة أو عبر دعم مجموعات معارضة ومسلحة بهدف استنزاف الدولة الإيرانية من الداخل، بالتوازي مع أي مواجهة عسكرية خارجية.

المشهد برمته يشير إلى أن المنطقة لم تعد أمام جولة تصعيد عابرة، بل أمام مرحلة مختلفة تمامًا، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاقتصاد والطاقة والملاحة الدولية. فالمعركة لم تعد تدور حول السيطرة على أرض أو تحقيق نصر ميداني محدود، وإنما حول إعادة رسم قواعد النفوذ في الشرق الأوسط، وتحديد من يمتلك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وممرات التجارة الدولية.

إن أخطر ما في هذه المرحلة أن أي خطأ في الحسابات، أو أي قرار بالتصعيد غير المنضبط، قد يحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود الخليج، وتمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأسره. وعندها، لن يكون السؤال من انتصر في المعركة، بل كيف سيدير العالم تداعيات حرب قد تعيد تشكيل موازين القوى الدولية لعقود قادمة.