هل بدأت معركة كسر الشرق الأوسط؟ من هرمز إلى صنعاء… مؤشرات التصعيد تتسارع
كتب الاعلامي حسين مرتضى
لم تعد التطورات المتلاحقة في المنطقة مجرد تبادل للرسائل العسكرية أو جولات محدودة من التصعيد، بل باتت ترسم ملامح مرحلة جديدة قد تفضي إلى مواجهة إقليمية واسعة تتجاوز حدود الاشتباكات التقليدية. فالمشهد الراهن يكشف أن الولايات المتحدة وحلفاءها، في مقابل إيران ومحور حلفائها، ينتقلون تدريجياً من سياسة الاحتواء إلى مرحلة اختبار موازين القوى على امتداد الجغرافيا الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر.
في قراءة للمشهد العسكري والسياسي، تبدو الإستراتيجية الأمريكية الحالية مركزة على هدف يتجاوز الضربات التكتيكية، ويتمثل في محاولة إعادة تشكيل ميزان السيطرة في الخليج، وفي مقدمته مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. فالضربات التي تستهدف منظومات الرادار والدفاعات الجوية والزوارق والطائرات المسيّرة الإيرانية المحيطة بالمضيق توحي بأن واشنطن تسعى إلى تقليص قدرة طهران على التحكم بهذا الممر الحيوي، تمهيداً لفرض واقع عسكري جديد إذا ما اتخذ قرار الانتقال إلى مواجهة أوسع.
وفي السياق نفسه، تشير المعطيات إلى وجود استعدادات لفتح ممرات جوية تسمح باستهداف العمق الإيراني، بما يشمل منظومات الدفاع الجوي والمدن ذات الأهمية العسكرية والإستراتيجية مثل طهران وأصفهان ومشهد. ويواكب ذلك تحرك على الجبهات الحدودية عبر محاولات للاستفادة من مجموعات مسلحة صغيرة في بعض المناطق الحدودية، إلى جانب رهانات استخباراتية على الوضع الداخلي الإيراني بهدف زيادة الضغوط على القيادة الإيرانية من أكثر من اتجاه.
أما في اليمن، فقد حمل خطاب السيد عبد الملك الحوثي رسائل غير مسبوقة، سواء في نبرة التصعيد أو في طبيعة الجهات التي وُجهت إليها. فبعد استهداف مطار صنعاء، وما رافقه من رسائل تهدئة غير معلنة حاولت الرياض إيصالها إلى طهران، جاء الموقف اليمني ليؤكد أن قواعد الاشتباك لم تعد محصورة بالساحة اليمنية، وأن السعودية باتت تُطرح بوصفها جزءاً مباشراً من معادلة المواجهة، خصوصاً مع توسيع دائرة الاتهامات لتشمل ملفات لبنان، والتطبيع مع “إسرائيل”، والقضية الفلسطينية.
هذا التحول في الخطاب يعكس انتقالاً من مرحلة الدفاع عن الساحة اليمنية إلى مرحلة ربط جميع ساحات المنطقة في معادلة ردع واحدة، الأمر الذي يزيد من احتمالات توسع دائرة الاشتباك إذا استمرت وتيرة التصعيد الحالية.
وفي المقابل، تبدو أوراق الضغط الإيرانية أكثر تنوعاً من مجرد التهديد بإغلاق مضيق هرمز. فالتقديرات تشير إلى أن الخيارات المطروحة تشمل استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج، سواء عبر أنابيب النفط والغاز أو المنشآت الحيوية ومحطات التصدير، وهو ما قد ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية. كما تراهن طهران على عامل اقتصادي بالغ الحساسية يتمثل في انخفاض المخزون الإستراتيجي الأمريكي من النفط، معتبرة أن أي اضطراب واسع في إمدادات الطاقة سيضاعف الضغوط السياسية والاقتصادية على الإدارة الأمريكية.
وعسكرياً، تكشف طبيعة العمليات الحالية أن التركيز ينصب على إنهاك القدرات اللوجستية الأمريكية في المنطقة، من خلال استهداف منظومات الرادار والدفاع الجوي وحظائر الطائرات والمنشآت العسكرية التي تشكل مراكز الإسناد للقوات الأمريكية في عدد من دول المنطقة.
ورغم أن المواجهة ما زالت تعتمد بصورة رئيسية على الطائرات المسيّرة، فإن مصادر متابعة تعتبر أن هذا الخيار ليس دليلاً على محدودية الإمكانات، بل يعكس قراراً عملياتياً بالاحتفاظ بالمخزون الإستراتيجي من الصواريخ الدقيقة وذات القدرة التدميرية العالية، تحسباً لمرحلة أكثر خطورة قد تبدأ في حال دخول “إسرائيل” بشكل مباشر إلى ساحة المواجهة.
إن مجمل هذه المؤشرات يوحي بأن المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث لم يعد التصعيد محصوراً في ردود فعل متبادلة، بل أصبح جزءاً من عملية إعادة رسم لموازين الردع والنفوذ. ولذلك، فإن السؤال لم يعد يدور حول إمكانية اندلاع مواجهة كبرى فحسب، بل حول توقيتها وحدودها، وما إذا كانت الأطراف المعنية لا تزال تمتلك القدرة على احتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى حرب إقليمية مفتوحة ستترك آثارها على الأمن العالمي وأسواق الطاقة والاقتصاد الدولي بأسره.