بين المفاوضات والميدان: كيف تُدار معركة تجريد لبنان وسوريا من عناصر القوة؟
كتب الاعلامي حسين مرتضى
في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتقاطع المسارات السياسية والعسكرية بين الساحتين اللبنانية والسورية لتكشف عن مرحلة جديدة من إعادة رسم قواعد الصراع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي. وبين مساعي فرض واقع سياسي جديد عبر الضغوط الدبلوماسية، وصمود الميدان في الجنوب، تتبلور ملامح المشهد الإقليمي الذي يخوض أحد أكثر استحقاقاته حساسية.
تصريحات السفير الأمريكي: إسقاط الأوهام والرهانات
جاءت التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكي في لبنان لتضع حدّاً للتسريبات والرهانات التي حاولت السلطة اللبنانية تسويقها حيال مفاوضات اتفاق الإطار. ففي موقف واضح ومباشر، أقرّ السفير بأنه لا توجد أي ضمانات أو وعود أمريكية بوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، موضحاً أن ملف وقف العدوان لم يكن في الأصل جزءاً من التفاهمات المطروحة.
هذا الموقف كشف حقيقة الضغوط الممارسة، حيث يسعى الجانب الأمريكي ومعه الإسرائيلي إلى تحويل الصراع من قضية احتلال واعتداء دائم على الأراضي اللبنانية إلى ملف داخلي يرتبط بسلاح المقاومة. إن محاولة المساواة بين من يدافع عن أرضه وبين المعتدي الإسرائيلي تؤكد أن هدف المفاوضات لا يكمن في حماية لبنان، بل في تجريده من عناصر قوته واستفراده في مرحلة لاحقة.
الارتباط الإقليمي وحسابات التصعيد لدى الاحتلال
لا يمكن فصل الملف اللبناني عن المعادلة الإقليمية الشاملة، وتحديداً طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية. إن إدراج الساحة اللبنانية ضمن هذا التوازن الإقليمي منع العدو من استفراد المنطقة وتمرير مشاريع العزل والتصفية.
وفيما يتصل باحتمالات التصعيد العسكري، تخضع القرارات الإسرائيلية لحسابات سياسية وانتخابية داخلية دقيقة. إن نتنياهو وحكومته يقفون أمام تساؤلات مفصلية حول نتائج أي عمل عسكري واسع؛ حيث يخشى الاحتلال من سيناريو الفشل الذي قد ينعكس سلباً على الجبهة الداخلية والمستوطنين، أو يجر المنطقة إلى مواجهة تشارك فيها أطراف محور المقاومة، بما فيها الجبهة اليمنية التي تشير المعطيات إلى استعدادها للدخول على خط المواجهة في حال توسع العدوان.
ملحمة “علي الطاهر” وغياب الضمانات السياسية
ميدانياً، تشكل تلة “علي الطاهر” نموذجاً للصمود في وجه الآلة العسكرية الإسرائيلية. ورغم القصف المكثف والغارات المتواصلة على مدى سنوات، عجز الاحتلال عن تحقيق أي تقدم ملموس في هذه البقعة الاستراتيجية، متكبداً خسائر ميدانية عرقلة حساباته العسكرية.
وفي سياق الطروحات التي تتحدث عن تسليم بعض النقاط للجيش اللبناني، تتجلى المشكلة الأساسية في غياب القرار السياسي والضمانات الدولية. فالجيش اللبناني، رغم تقديم شهدائه في الميدان، محكوم بقرارات السلطة السياسية التي قد تفرض عليه التراجع عند أي ضغط خارجي، مما يجعل تسليم المواقع دون ضمانات إقليمية ودولية ملزمة مجرد التزام مجاني يفتح الطريق أمام التمدد الإسرائيلي.
الواقع السوري ومخطط تجريد عناصر القوة
على الضفة السورية، تتقاطع الأحداث بشكل مباشر مع المشهد اللبناني. إن التواصل والتنسيق الأمني بين السلطة في سوريا والجانب الإسرائيلي والذي تكشّف عقب استهداف مطار “أبو الظهور” العسكري يعكس حجماً خطيراً من التنازلات.
إن استهداف المراكز والمطارات العسكرية الاستراتيجية في سوريا، بالتوازي مع التضييق على قدرات المقاومة في لبنان، يهدف بالدرجة الأولى إلى تجريد البلدين من أي مقومات دفاعية، وتحويل مؤسساتهما الأمنية والعسكرية إلى مجرد أجهزة ضبط داخلي تشبه نموذج السلطة في الضفة الغربية، لتظل اليد العليا عسكرياً وأمنياً لكيان الاحتلال.
أفق المرحلة المقبلة
تقف المنطقة اليوم أمام مفترق طرق حاسم؛ فبينما يراهن الاحتلال على استنزاف الوقت وانتظار نتائج الاستحقاقات السياسية والإقليمية، يثبت الميدان أن التنازلات الدبلوماسية لا تجلب الأمان، وأن الصمود الميداني والتكامل بين جبهات المقاومة هما الضمانة الوحيدة لمنع فرض شروط الاملاءات والتطبيع الإجباري على لبنان وسوريا.