مصيدة الحرب: حسابات واشنطن، تل أبيب وطهران ومن يملك قدرة الحسم؟

كتب الاعلامي حسين مرتضى

في منطقتنا، لا تبدأ الحروب دائماً مع انطلاق الصواريخ ولا تحسم نتائجها عند سقوط الضربة الأولى. أحياناً تبدأ الحرب قبل اعلانها حين تتحرك الجيوش وتفتح غرف العمليات، وتتزايد الرسائل الاستخباراتية، وتدخل السياسة في حسابات الميدان، فيما ينشغل كل طرف باختبار حدود خصمه وقياس قدرته على تحمل المواجهة.

1. المشهد الإقليمي ومعضلة القرار العسكري

في المشهد الراهن، تبدو إيران أمام تهديد يتجاوز احتمالات الضربة العسكرية المباشرة. فالمواجهة الدائرة حولها تتداخل فيها القوة العسكرية مع الضغوط الأمنية والاستخباراتية، وحرب الإدراك والسرديات، وكذلك الحسابات الانتخابية في واشنطن وتل أبيب.

وبينما تسعى بعض دوائر القرار إلى إبقاء الخيار العسكري حاضراً، تبرز في المقابل مخاوف من أن تتحول الضربة المفترضة إلى مواجهه مفتوحة يصعب تحديد سقفها أو التحكم في نهاياتها. هنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: قرار استخدام القوة قد يكون مطروحاً بجدية، لكن امتلاك القدرة على بدء الحرب لا يعني امتلاك القدرة على انهائها بالشروط المطلوبة. فالتفوق العسكري لا يضمن وحده تحقيق الأهداف السياسية، ولا يلغي احتمالات المفاجأة واتساع الرد وتغيير الحسابات.

في المقابل، تحاول إيران بناء معادلة ردع تجعل قرار مهاجمتها محفوفاً بالمخاطر، وتدفع خصومها إلى التفكير ليس فقط في كيفية توجيه الضربة، بل في اليوم التالي لها وفي الكلفة التي قد تتجاوز حدود الميدان الإيراني إلى مجمل الإقليم.

2. الثنائية الأمريكية – الإسرائيلية: بين الرغبة والخشية

تواجه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل معادلة:

دفع المتشددين: تدفع بعض التيارات المتشددة نحو إعادة اختبار الخيار العسكري بهدف إضعاف القدرات الإيرانية وتغيير موازين القوى.

المخاوف والمقيدات: تبرز في المقابل مخاوف تتعلق بفاعلية الهجوم، وصعوبة ضمان تحقيق أهداف استراتيجية قابلة للاستمرار، واحتمال تحوله إلى مواجهة إقليمية واسعة.

وتتمثل أبرز العوامل المقيدة لقرار الحرب في:

  1. عدم اليقين بشأن النتائج العسكرية: فاستكمال المعلومات الاستخباراتية وحدها لا يضمن النتائج المرجوة.
  2. احتمال اتساع الرد الإيراني: وصعوبة حصر المواجهة ضمن نطاق جغرافي وزمني مححدد.
  3. التباينات الداخلية: بين المؤسسات السياسية والعسكرية والاستخباراتية بشأن جدوى التصعيد.

وعليه، ينبغي التمييز بوضوح بين ثلاثة مستويات مترابطة ولكنها ليست متطابقة: وجود توجه سياسي نحو الحرب، الاستعداد العسكري لاحتمال تنفيذها، واتخاذ القرار النهائي ببدئها.

3. الاستراتيجية الإيرانية: تغيير معادلة التوقيت والجغرافيا

تقوم المقاربة الإيرانية على منع الطرف المقابل من امتلاك حرية الحركة الكاملة، ورفع كلفة الخيار العسكري، وإدخال متغيرات جديدة على حساباته. لا تراهن طهران على منع الهجوم من خلال التهديد وحده، بل تسعى إلى إظهار أن أي مواجهة لن تكون عملية محدودة النتائج يمكن التحكم في مسارها بسهولة.

تعتمد هذه المقاربة على فكرة مركزية: قد يستطيع الخصم اختيار لحظة بدء الهجوم، لكنه لا يستطيع ضمان أن تسير الحرب وفق السيناريو الذي وضعه مسبقاً. ومن هذا المنطلق، تؤثر الإجراءات الإيرانية على تقديرات الخصم عبر رفع المخاطر المتوقعة وزيادة الغموض، مع الإبقاء على مسار مزدوج يجمع بين المفاوضات العسكرية والسياسية وإدارة الردع.

4. السيناريوهات المحتملة للمواجهة

تمتد فترة المخاطر المحتمله عبر نوافذ زمنية تتغير أهميتها تبعاً لتطور الظروف الميدانية والسياسية (كالانتخابات والتحركات الدبلوماسية). ويمكن تلخيص المسارات المحتملة في أربعة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول (هجوم أمريكي – إسرائيلي مشترك): يقوم على تقاطع الاعتبارات العسكرية والسياسية وسعي الأطراف لتحقيق أهداف محددة، ويصطدم دائماً بعقبة عدم اليقين بشأن النتائج وكلفة الرد.

السيناريو الثاني (تأجيل الهجوم): اختيار الأطراف الانتظار إلى حين تغير الظروف السياسية مع الاستمرار في الضغوط والاستعدادات، دون أن يعني ذلك تراجعاً فعلياً لمستوى التهديد.

السيناريو الثالث (استمرار الضغط من دون حرب واسعة): مواصلة التصعيد العسكري والاستخباراتي والإعلامي بهدف إضعاف الموقف الإيراني أو دفعه لتقديم تنازلات مع تجنب الانزلاق لمواجهة مفتوحة.

السيناريو الرابع (اندلاع المواجهة واتساعها إقليمياً): وقوع هجوم ورد إيراني واسع يتجاوز حدود العمليات المحدودة، مما يرفع المخاطر على الأمن الإقليمي، وحركة الطاقة، والمصالح العسكرية، ويجعل تحديد نهاية الحرب أمراً بالغ الصعوبة.

5. خلاصات واستنتاجات كبرى

مستوى التهديد مرتفع، لكن الحرب ليست حتمية: فوجود الاستعدادات والضغوط لا يثبت وحده حسم قرار الهجوم.

التوقيت جزء من الصراع: تداخل الاعتبارات العسكرية والسياسية يجعل النوافذ الزمنية متغيرة وليست مواعيد ثابته لا محالة.

الردع الإيراني مؤثر وليس ضمانة مطلقة: رفع كلفة الهجوم يغير حسابات الخصم، لكنه لا يلغي تماماً احتمال اتخاذ قرار المواجهة.

الجوهر هو الصراع على المبادرة: تواجه المنطقة صراعاً على شروط التصعيد واحتواء الردود المتبادلة بالقدر ذاته الذي تواجه فيه احتمال الحرب، والسؤال الأهم يتعلق بقدرة الأطراف على منع تحول أي مواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة.