"أبواب يوسف": عندما تتحطم رهانات واشنطن على صخرة الصمود الإيراني

“أبواب يوسف”: عندما تتحطم رهانات واشنطن على صخرة الصمود الإيراني

كتب الإعلامي حسين مرتضى

بعد ثلاثة أسابيع على اندلاع المواجهة العسكرية في الإقليم، تتكشف ملامح مشهد مختلف عمّا كانت تخطط له واشنطن. فبحسب التقييمات المتقاطعة مع مسؤولين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لم تعد المعركة تُقرأ ضمن إطار الأهداف الأمريكية المعلنة، بل ضمن سياق فشل استراتيجي يتسع يوماً بعد يوم.

منذ اللحظة الأولى، راهن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على فرض معادلة “الاستسلام غير المشروط” على طهران، مستنداً إلى مزيج من الضغوط العسكرية والاقتصادية. إلا أن ما جرى على الأرض أثبت عكس ذلك تماماً.

الإدارة الأمريكية اليوم تعيش حالة من التخبط الواضح، ليس فقط نتيجة الإخفاق العسكري، بل أيضاً بسبب التداعيات الاقتصادية الداخلية، وفي مقدمتها الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، ما ولّد حالة استياء شعبي متزايدة.

داخلياً، لم تعد واشنطن على قلب رجل واحد. الانقسام داخل فريق ترامب بات أكثر وضوحاً، في ظل تصاعد انتقادات الديمقراطيين الذين يعتبرون أن الرئيس الأمريكي وقع في “فخ الحرب”، دون امتلاك استراتيجية خروج واضحة. هذا التصدع السياسي يوازيه ارتباك ميداني، تعكسه طبيعة الردود الأمريكية المترددة.

في المقابل، تعتمد إيران استراتيجية مختلفة تماماً، يمكن وصفها بـ”لسعات النحل”. إنها حرب هجينة تقوم على استنزاف الخصم عبر ضربات متكررة ودقيقة تستهدف القواعد والمصالح الحيوية الأمريكية من مسافات قريبة، أو ما يُعرف بـ”نقطة الصفر”. هذا النمط من المواجهة لا يهدف إلى الحسم السريع، بل إلى إنهاك الخصم تدريجياً، وإخراجه من المعادلة دون الانجرار إلى مواجهة تقليدية شاملة.

التحول الأبرز في مسار المواجهة جاء مع إغلاق مضيق هرمز في الأسبوع الثالث. هذا الحدث شكّل نقطة انعطاف استراتيجية، حيث انتقلت أولويات واشنطن من هدف إسقاط النظام في إيران إلى هدف أكثر تواضعاً يتمثل في إعادة فتح المضيق لضمان تدفق الطاقة العالمية. بمعنى آخر، أعادت طهران تعريف سقف المعركة وشروطها.

وفي سياق متصل، تكشف المعطيات عن فشل خطة معقدة عُرفت باسم “أربعاء النار”، كانت تهدف إلى ضرب الداخل الإيراني عبر سلسلة اغتيالات تستهدف شخصيات قيادية، بالتوازي مع استهداف البنية التحتية لقطاع الغاز. غير أن هذه الخطة، رغم دقتها، لم تنجح في إحداث الفوضى المرجوة، ما يعكس تماسك البنية الداخلية الإيرانية وقدرتها على امتصاص الصدمات.

إقليمياً، أعادت الحرب إحياء مفهوم “وحدة الساحات” بزخم أكبر. المؤشرات المتوافرة تفيد بأن أطرافاً عدة باتت على أهبة الانخراط المباشر في المواجهة، مع تلميحات واضحة إلى دور يمني وشيك، في إطار تنسيق ميداني يتجاوز الحدود التقليدية للصراع.

في ختام هذا المشهد، تبرز دلالة رمزية اختارها العنوان: “أبواب يوسف”. إنها استحضار لقصة النبي يوسف عليه السلام، حين اندفع نحو باب مغلق بيقين مطلق بالله، فانفتح له.

الرسالة هنا واضحة: رغم شدة الضغوط وتعقيد المشهد، فإن محور المقاومة يتعامل مع هذه المرحلة بذات اليقين، مؤمناً بأن الأبواب الموصدة اليوم قد تكون مدخلاً لانفراج كبير ونصر آتٍ.

هكذا، وبين حسابات القوة ومفاجآت الميدان، يبدو أن ما بعد الأسابيع الثلاثة الأولى ليس كما قبلها، وأن معادلات جديدة تُكتب على وقع الصمود وتبدل موازين القوى.