أرقام الرعب في جيش الاحتلال… هل بدأ الانهيار من الداخل؟

كتب الإعلامي حسين مرتضى

لم تعد أزمة جيش الاحتلال الإسرائيلي مجرد نقاش سياسي داخلي أو سجال بين المعارضة والحكومة، بل تحولت إلى حقيقة تكشفها الأرقام الرسمية الصادرة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فمع استمرار الحرب على غزة، واتساع دائرة المواجهة في جنوب لبنان، بدأت تتكشف ملامح أزمة بنيوية عميقة تضرب الجيش الإسرائيلي في العنصر الأكثر حساسية: الإنسان.

ورغم محاولات الرقابة العسكرية الإسرائيلية الحدّ من حجم التسريبات، فإن ما يصدر عن وزارة الحرب وقسم إعادة التأهيل يكشف صورة أكثر خطورة مما يُعلن في الإعلام العبري. نحن لا نتحدث فقط عن خسائر ميدانية، بل عن استنزاف بشري ونفسي متسارع يهدد قدرة الجيش على الاستمرار في حرب طويلة الأمد.

وفق المعطيات الرسمية، اعترف الاحتلال بمقتل أكثر من 1150 ضابطاً وجندياً خلال المعارك الأخيرة، فيما تجاوز عدد الجرحى المعلَن أكثر من 6300 إصابة مباشرة. لكن التقديرات الصادرة عن مراكز أبحاث إسرائيلية، بينها “معهد دراسات الأمن القومي”، تشير إلى أن الرقم الحقيقي للمصابين الذين خرجوا من الخدمة القتالية يقترب من 20 ألف جندي، بينهم إصابات حرجة ومتوسطة ونفسية.

غير أن الصدمة الكبرى لا تكمن في أعداد القتلى والجرحى فحسب، بل في طبيعة الإصابات نفسها. فوزارة الحرب الإسرائيلية تتحدث اليوم عن نحو 24 ألف جندي يعانون من إصابات دماغية واضطرابات نفسية حادة، تشمل الاكتئاب، القلق، والانهيار العصبي واضطراب ما بعد الصدمة.

هذه الأرقام تعني عملياً أن جيش الاحتلال يواجه أزمة نفسية جماعية داخل وحداته القتالية. مسؤولون في قسم إعادة التأهيل الإسرائيلي أقرّوا بأن موجات الانفجار الناتجة عن الصواريخ والعبوات والطائرات المسيّرة، خصوصاً في جبهة لبنان، أحدثت أضراراً مباشرة في الدماغ والجهاز العصبي للجنود، ما انعكس سلوكياً على حياتهم اليومية وعلاقاتهم العائلية بعد عودتهم من الجبهات.

في الكيان الإسرائيلي يدركون جيداً أن الحروب لا تُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل بقدرة الجنود على الاستمرار نفسياً ومعنوياً. وهنا تحديداً تظهر معالم الأزمة الحقيقية. فالتقارير الإسرائيلية تؤكد أن قسم إعادة التأهيل يستقبل نحو ألف جندي جديد شهرياً، بينما تتوقع مراكز الدراسات أن يتجاوز عدد المعاقين من جنود الجيش الإسرائيلي 100 ألف بحلول عام 2030 إذا استمرت الحروب والاستنزاف الحالي.

الأخطر أن غالبية المصابين هم من قوات الاحتياط، التي تشكل العمود الفقري للجيش الإسرائيلي. أكثر من 66% من الجرحى ينتمون إلى وحدات الاحتياط التي تُستدعى بشكل متكرر إلى الجبهات، في ظل تراجع الحوافز الاقتصادية والاجتماعية، واتساع مشاعر الغضب والإحباط داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

هذا الواقع دفع قيادة الجيش إلى الاعتراف بوجود نقص حاد في القوى البشرية. رئيس الأركان الإسرائيلي تحدث أمام الكنيست عن عجز يصل إلى 12 ألف جندي، بينهم 9 آلاف في الوحدات القتالية المباشرة. وهذه ليست مجرد فجوة رقمية، بل مؤشر على أزمة تجنيد وثقة واستنزاف متراكم.

في المقابل، يزداد تأثير المسيّرات الانقضاضية اللبنانية التي نجحت في تحويل حياة الجنود والضباط إلى حالة دائمة من القلق والرعب. لم تعد الطائرات المسيّرة تستهدف الآليات فقط، بل أصبحت تلاحق الجنود إلى الخيام وغرف العمليات وحتى المنازل التي يتحصنون فيها. حادثة استهداف قائد اللواء 401 داخل أحد المباني شكّلت نموذجاً صادماً داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، لأنها أظهرت هشاشة الحماية وفشل الإجراءات الدفاعية التقليدية.

كل ذلك دفع بعض الأصوات داخل الكيان إلى طرح أفكار كانت تُعتبر سابقاً من المحرمات، مثل تشكيل وحدات من “المرتزقة”، وتمديد الخدمة الإلزامية، وفرض استدعاءات أطول على قوات الاحتياط. لكن هذه الإجراءات تكشف حجم الأزمة أكثر مما تقدم حلولاً لها، خصوصاً مع تصاعد حالات الانتحار، والفرار من الخدمة، والانهيار النفسي داخل الجيش.

ما يجري اليوم ليس مجرد تراجع عسكري عابر، بل استنزاف متدرج يضرب البنية البشرية لجيش الاحتلال. فحين يتحول الجنود إلى أرقام في مراكز التأهيل النفسي، وحين يصبح الخوف من المسيّرات جزءاً من الحياة اليومية داخل المعسكرات، فهذا يعني أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة تماماً.

إنها حرب استنزاف بشرية ونفسية مفتوحة، قد لا تظهر نتائجها الكاملة في الميدان اليوم، لكنها تتراكم ببطء داخل جسد الجيش الإسرائيلي… وصولاً إلى لحظة الانفجار الكبير.