المارينز في مرمى النيران.. هل بدأت واشنطن التضحية بوجودها الإقليمي؟

مشاهدة المقالة(يُفتح في علامة تبويب جديدة)

كتب الإعلامي حسين مرتضى

تُعيد التطورات المتسارعة في المنطقة إلى الأذهان أحداثاً مفصلية رسمت ملامح التاريخ السياسي والعسكري للشرق الأوسط. وليس أدلّ على ذلك من الدخول الأمريكي المباشر على خط المواجهة، محاولاً التغطية على العجز الإسرائيلي وتأمين حماية للمشروع الصهيوني الذي يواجه واحدة من أعنف أزماته الوجودية.

إن التموضع العسكري الأمريكي اليوم، وانتشار جنود “المارينز” والقواعد الأمريكية على امتداد جغرافية المنطقة، لم يعودا يشكلان أداة ردع كما تتوهم إدارة واشنطن، بل تحولا إلى بنك أهداف مشروع ومباشر لقوى محور المقاومة وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

عقدة بيروت 1983: الذكرى الحاضرة في الحسابات الأمريكية

حين نستحضر عام 1983 واستهداف مقر القوات الأمريكية (المارينز) والقوات الفرنسية في بيروت، فإننا لا نستعيد حدثاً تاريخياً مجرداً، بل نقرأ معادلة ردع حفرت عميقاً في الوجدان السياسي والعسكري الأمريكي. في ذلك العام، أدرك الإدارة الأمريكية أن كلفة البقاء في ميدان مفتوح على المواجهة الشاملة أعلى بكثير من القدرة على التحمل، فكان القرار بالانسحاب وإعادة التموضع.

اليوم، يتكرر المشهد بنفس المعطيات والمؤشرات، ولكن بظروف أكثر تعقيداً وأشد خطورة:

  1. اتساع جغرافية المواجهة: لم تعد الساحة محصورة في نقطة واحدة، بل أصبحت القواعد والمصالح الأمريكية ممتدة ومكشوفة من الخليج إلى الساحل السوري والعراقي، تحت مرمى الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة.
  2. تكامل جبهات المقاومة: تنسيق ميداني وعسكري عالي المستوى بين أطراف المحور يجعل أي رد إيراني أو إقليمي يطال الوجود الأمريكي برمته وليس مجرد نقاط معزولة.
 
التضحية بالوجود الأمريكي من أجل بنيامين نتنياهو

السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه اليوم: هل وصلت واشنطن إلى مرحلة التضحية بوجودها العسكري واستقرار قواتها في المنطقة كرمى لعيون حكومة بنيامين نتنياهو؟

لقد غدت الإدارة الأمريكية شريكاً كاملاً في العدوان، حيث فتحت مخازن أسلحتها ووفرت الغطاء السياسي والعسكري واللوجستي. إلا أن هذا الاندفاع الأعمى يدفع بالقوات الأمريكية نحو مصيدة الاستنزاف المباشر. إن تعريض جنود “المارينز” للنيران والضربات الاستباقية أو الانتقامية يضع القرار السياسي في واشنطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة لا يُعرف أفقها، أو تجرّع مرارة الخروج وإعادة التموضع على غرار سيناريو 1983.

 
المعادلة القادمة: الردع الإقليمي يصنع جغرافية جديدة

إن الحسابات الخاطئة التي تعتمدها واشنطن بتغطيتها للهستيريا الإسرائيلية لن تمنح كيان الاحتلال الأمن المنشود، بل ستزيد من رقعة الاستهداف لتدفع القوات الأمريكية الثمن الأكبر.

الميدان اليوم يقدم رسالة واضحة: إن زمن العرقلة الأمريكية والتواجد الآمن قد انتهى. وإذا ما استمرت الإدارة الأمريكية في العناد والرهان على حماية الكيان الإسرائيلي على حساب أمن قواتها، فإن معادلة “بيروت 1983” ليست سوى محطة بسيطة مقارنة بما قد تشهده المنطقة من تحولات إستراتيجية تنهي الهيمنة الأمريكية وتفرض واقعاً جديداً بصناعة المقاومة.