المخا وباب المندب: هل تتشكل معادلة ميدانية جديدة على الساحل الغربي لليمن؟

كتب الاعلامي حسين مرتضى

تشهد جبهة الساحل الغربي في اليمن تطورات ميدانية متسارعة، في ظل تحركات قوات صنعاء باتجاه عدد من النقاط ذات الأهمية العسكرية والاستراتيجية، ولا سيما في محيط مثلث المخا، بعد السيطرة على مناطق يختل وحيس والخوخة، وصولًا إلى تثبيت السيطرة على مطار المخا العسكري.

ولا تبدو هذه التطورات، وفق هذه القراءة، مجرد تغيير محدود في خطوط التماس، بل تحمل مؤشرات على محاولة إعادة رسم الخريطة الميدانية للساحل الغربي، بما يفتح الباب أمام تحولات أوسع في موازين القوى، خصوصًا في المنطقة المحاذية لأحد أهم الممرات البحرية الدولية، أي باب المندب.

المخا.. عقدة جغرافية تتجاوز حدود المعركة المحلية

تكتسب مدينة المخا ومحيطها أهمية استثنائية بفعل موقعها الجغرافي على الساحل الغربي وقربها من باب المندب، ما يجعل أي تحول في السيطرة عليها ذا أبعاد تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.

وفي حال تمكنت القوات المتقدمة من تثبيت حضورها في مثلث المخا والمطار العسكري والمناطق المحيطة، فإن ذلك قد يمنحها مجموعة من الأوراق الميدانية، أبرزها:

أولًا: تعزيز القدرة على التأثير في الممرات البحرية.
فالقرب من باب المندب يمنح السيطرة على المناطق الساحلية أهمية استراتيجية، نظرًا إلى ارتباط المضيق بحركة الملاحة الدولية وخطوط نقل الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا.

ثانيًا: تأمين العمق الميداني للساحل الغربي.
إن السيطرة المتتابعة على يختل وحيس والخوخة والمناطق المحيطة بالمخا يمكن أن تؤدي إلى إعادة تنظيم خطوط الإمداد والانتشار، وتقليص قدرة القوات المقابلة على الحفاظ على تواصل ميداني متماسك بين مواقعها المنتشرة على الساحل الغربي وفي محيط تعز.

ثالثًا: الضغط على البنية اللوجستية والعسكرية.
ويمثل مطار المخا العسكري، في هذه المعادلة، نقطة ذات قيمة لوجستية وميدانية، نظرًا إلى دوره المحتمل في عمليات الإمداد والتحرك والتمركز. وبالتالي فإن فقدان السيطرة عليه قد ينعكس مباشرة على قدرة القوات المقابلة على إدارة المعركة في المنطقة.

الميدان يفتح الباب أمام مسار سياسي موازٍ

لا تنحصر التطورات عند حدود التحرك العسكري، إذ تتزامن، وفق المعطيات المتداولة، مع خطوات سياسية وشعبية تستهدف البيئة المحيطة بالجبهة، ومن بينها قرارات العفو الرئاسي الموجهة إلى أبناء المنطقة والمقاتلين في الساحل الغربي.

وتحمل هذه الخطوات بعدًا يتجاوز الجانب الإنساني أو القانوني، إذ يمكن قراءتها بوصفها جزءًا من محاولة تفكيك البيئة البشرية التي تستند إليها القوات المقابلة.

ففتح باب العودة وتسوية الأوضاع أمام المقاتلين المحليين قد يؤدي إلى إضعاف الجبهات من الداخل، خصوصًا في حال ترافق ذلك مع ضغوط عسكرية متصاعدة وتراجع في القدرة على الإمداد والحفاظ على المواقع المتقدمة.

ومن هنا، يصبح المسار السياسي أداة موازية للميدان، بحيث لا تقتصر المعركة على السيطرة على الأرض، بل تمتد إلى التأثير في البيئة البشرية والسياسية المحيطة بها.

من السيطرة الميدانية إلى أوراق التفاوض

التحول الأهم في المشهد يتمثل في احتمال انتقال قيمة السيطرة على المخا من كونها مكسبًا عسكريًا محليًا إلى ورقة ذات أبعاد إقليمية ودولية.

فكلما اقتربت التطورات من المناطق الحاكمة في محيط باب المندب، ازدادت حساسية المشهد بالنسبة إلى القوى الإقليمية والدولية، في ظل أهمية المضيق بالنسبة إلى حركة التجارة العالمية وأمن الملاحة البحرية.

وهنا قد تبرز معادلة جديدة: فالقوة التي تنجح في فرض واقع ميداني مستقر في المخا ومحيطها ستكون في موقع أفضل لفرض شروطها في أي مفاوضات لاحقة، خصوصًا إذا تحولت السيطرة الجغرافية إلى قدرة فعلية على التأثير في البيئة الأمنية للممر البحري.

وفي المقابل، من المتوقع أن يؤدي أي تحول كبير في موازين القوى على الساحل الغربي إلى زيادة الضغوط الدولية والإقليمية، في محاولة لمنع انتقال المواجهة إلى مستوى يهدد حركة الملاحة أو يغير قواعد الاشتباك في البحر الأحمر.

تعز والساحل الغربي أمام اختبار جديد

على المستوى الميداني، فإن تثبيت السيطرة على المواقع المحيطة بالمخا قد يفرض ضغوطًا إضافية على القوات الموجودة في الجيوب المتبقية في الساحل الغربي ومحيط تعز.

وقد تفتح هذه التطورات الباب أمام سيناريوهات متعددة، تبدأ بإعادة الانتشار والانسحابات التكتيكية، ولا تنتهي باحتمال انهيار بعض المواقع إذا فقدت خطوط إمدادها أو أصبحت معزولة عن مراكز الدعم الأساسية.

وبالتالي، فإن أهمية المعركة لا ترتبط فقط بعدد المناطق التي يمكن السيطرة عليها، وإنما بقدرة أي طرف على تحويل المكاسب الجغرافية إلى واقع عسكري مستدام.

باب المندب.. عنوان المرحلة المقبلة

تبدو معركة الساحل الغربي، في ضوء هذه التطورات، أمام مرحلة مختلفة عن المراحل السابقة. فالمخا لم تعد مجرد مدينة ساحلية ضمن خريطة الصراع اليمني، بل أصبحت نقطة تتقاطع عندها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية والأمنية.

وإذا نجحت قوات صنعاء في تثبيت مكاسبها الميدانية وتوسيع نطاق نفوذها باتجاه النقاط الأكثر حساسية، فإن المشهد قد ينتقل من مجرد صراع على الأرض إلى صراع على مفاتيح الجغرافيا الاستراتيجية، وفي مقدمتها باب المندب.

وعليه، فإن السؤال لم يعد فقط: من يسيطر على المخا؟ بل: هل تتحول السيطرة على المخا ومحيطها إلى ورقة ضغط إقليمية ودولية تعيد صياغة قواعد التفاوض في اليمن؟

فالمرحلة المقبلة قد تحمل معادلة جديدة عنوانها أن السيطرة على النقاط الحاكمة في الساحل الغربي لا تمنح صاحبها مكاسب ميدانية فحسب، بل تمنحه أيضًا موقعًا أكثر تأثيرًا في رسم شكل التسوية المقبلة.