الميدان هو الحكم… خمسة ثوابت لا مساومة عليها والآتي تحت مجهر المقاومة
كتب الاعلامي حسين مرتضى
في خضم سيل التحليلات والتقديرات التي تملأ وسائل الإعلام ومنصات التواصل حول مسار الاتفاق الأميركي – الإيراني، تبدو الساحة اللبنانية في قلب المشهد، لا على هامشه.
فبين من يبالغ في التفاؤل، ومن يذهب بعيداً في رسم سيناريوهات التشاؤم، تبقى حقيقة أساسية لا يمكن تجاوزها:
أن مستقبل أي تفاهم إقليمي سيُختبر أولاً عند بوابة لبنان، حيث لا تزال تداعيات العدوان الإسرائيلي قائمة، وحيث تتقاطع الحسابات الدولية والإقليمية مع معادلات الميدان.
كثيرة هي التوقعات التي تتحدث عن اتفاقات مرتقبة وتسويات قيد الإعداد، لكن التجربة علمتنا أن المنطقة لا تُقرأ بالنوايا، بل بالوقائع.
لذلك، فإن التعاطي مع هذا الملف يجب أن ينطلق من الواقعية لا من الرغبات، ومن قراءة موازين القوى لا من الأمنيات السياسية.
الملف اللبناني يبقى الأكثر حساسية وتعقيداً، لأن الاحتلال الإسرائيلي يحاول تحقيق مكاسب سياسية وأمنية عجز عن فرضها بالنار والدمار.
وفي المقابل، يراهن البعض في الداخل على متغيرات خارجية قد تفرض وقائع جديدة على المقاومة أو تدفعها إلى تقديم تنازلات تحت عنوان التسويات الكبرى.
غير أن الوقائع تشير إلى أن هناك ثوابت واضحة لا تزال تحكم المشهد، وأن المقاومة تنظر إلى أي مسار تفاوضي من زاوية الحقوق الوطنية والسيادية، لا من زاوية الضغوط أو المساومات.
وفي هذا السياق، تبرز خمسة عناوين أساسية تشكل قاعدة أي مقاربة مستقبلية للملف اللبناني، وهي عناوين مترابطة وغير قابلة للتجزئة أو المقايضة.
أول هذه العناوين يتمثل في وقف العدوان بشكل كامل وشامل، بعيداً عن أي صيغ مؤقتة أو ترتيبات هشة تسمح للاحتلال بإعادة إنتاج التهديد في أي لحظة.
أما العنوان الثاني، فهو عودة الأهالي والنازحين إلى قراهم وبلداتهم بصورة طبيعية وآمنة، باعتبار أن استعادة الحياة إلى المناطق المتضررة تشكل جزءاً أساسياً من تثبيت أي استقرار حقيقي.
العنوان الثالث يتمثل في الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، باعتباره استحقاقاً سيادياً لا يقبل التأجيل أو المساومة.
أما العنوان الرابع، فيرتبط بـ إعادة الإعمار ومعالجة آثار العدوان، بما يضمن إعادة بناء ما دمره الاحتلال وتعويض المتضررين وإعادة النهوض بالمناطق التي دفعت أثمان المواجهة.
ويبقى العنوان الخامس مرتبطاً بـ ملف الأسرى، الذي يشكل أولوية ثابتة في أي مسار سياسي أو تفاوضي، انطلاقاً من الالتزام الأخلاقي والوطني تجاه من دفعوا أثمان المواجهة دفاعاً عن لبنان.
هذه العناوين ليست مجرد بنود تفاوضية أو أوراق قابلة للأخذ والرد، بل تمثل حقوقاً تراكمت بفعل التضحيات والصمود، ولذلك فإن أي محاولة لتجاوزها أو الالتفاف عليها ستصطدم بحقائق الميدان قبل أي شيء آخر.
صحيح أن السياسة تفتح أبواب المناورة وتمنح الأطراف مساحة للحركة، لكن التجارب أثبتت أن الكلمة الفصل في منطقتنا تبقى للوقائع الميدانية.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستبقى تحت المجهر، بانتظار اتضاح صورة التفاهمات ومسارها الفعلي.
أما إلى ذلك الحين، فإن لبنان يقف أمام مرحلة ترقب دقيقة، فيما تبقى الأنظار متجهة نحو الميدان الذي لطالما كان الحكم النهائي بين الوعود والحقائق، وبين المشاريع التي تُرسم في الغرف المغلقة والوقائع التي تُفرض على الأرض.
الأيام المقبلة وحدها ستكشف الاتجاه الحقيقي للأحداث، لكنها في الوقت نفسه ستؤكد مجدداً أن أي اتفاق لا يحفظ الحقوق اللبنانية ولا يضع حداً للعدوان والاحتلال، سيبقى اتفاقاً ناقصاً لا يمكن أن يصمد أمام اختبار الواقع.