الميدان يرسم حدود المرحلة: معادلات يمنية جديدة وخطوط حمراء في جنوب لبنان
كتب الإعلامي حسين مرتضى
تشهد المنطقة تحولًا استراتيجيًا متسارعًا، تفرض خلاله التطورات العسكرية والسياسية واقعًا جديدًا يعيد رسم قواعد الاشتباك وحدود الحركة أمام مختلف الأطراف. فالميدان لم يعد مجرد مساحة لتبادل الرسائل، بل بات عاملًا أساسيًا في تحديد مسارات التفاوض وشكل المعادلات التي تحكم المرحلة المقبلة.
وفي قراءة للمشهد، تبدو المنطقة أمام انتقال تدريجي من استراتيجية احتواء الضربات إلى معادلات ردع متقابلة، تقوم على مبدأ واضح: «المسيرة بالمسيرة والصاروخ بالمركز»، بما يعني أن أي تصعيد بات مرتبطًا بتكلفة مقابلة، وأن القدرة على الوصول إلى العمق أصبحت جزءًا من معادلة الردع.
الجبهة اليمنية: اختراق الدفاعات وتثبيت الردع في العمق
شكلت العمليات العسكرية اليمنية الأخيرة محطة لافتة في مسار الصراع الإقليمي، في ظل ما أظهرته من قدرات هجومية متقدمة وقدرة على تجاوز طبقات من المنظومات الدفاعية. ولم تعد الرسائل اليمنية، وفق هذه القراءة، تقتصر على التحذير السياسي أو العمليات المحدودة، بل انتقلت إلى استهداف مواقع حيوية في العمق، الأمر الذي يفرض إعادة حسابات عسكرية وسياسية لدى الأطراف المعنية.
وتشير طبيعة هذه العمليات إلى اعتماد استراتيجية تقوم على رفع كلفة استمرار التصعيد، بالتوازي مع محاولة الحد من قدرة الخصم على المبادرة الهجومية. ومع اتساع مدى التأثير، تصبح الخيارات السياسية أكثر ارتباطًا بالواقع الميداني، بحيث لا تعود المفاوضات منفصلة عن نتائج العمليات العسكرية وقدرة كل طرف على فرض معادلات جديدة.
ومن هنا، تبدو المسارات أمام احتمالين رئيسيين: إما التوجه نحو تهدئة تأخذ في الاعتبار قواعد الاشتباك التي فرضها الميدان، أو استمرار التصعيد باتجاه مواجهة أوسع، بما تحمله من تداعيات تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة للصراع.
جنوب لبنان: الميدان يحدد حدود الحركة
أما على الجبهة اللبنانية، فتتجه الأنظار إلى التطورات الميدانية في الجنوب، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع الاستعدادات العسكرية. وفي هذا السياق، تبدو مسألة الردع حاضرة بقوة في تحديد طبيعة الخيارات المطروحة، خصوصًا في ظل الكلفة التي يمكن أن تترتب على أي محاولة لتوسيع العمليات العسكرية.
فالمعادلة الجنوبية لا تُقرأ فقط من خلال حجم التحركات العسكرية، وإنما أيضًا من خلال قدرة الأطراف على الحفاظ على توازن الردع ومنع انتقال المواجهة إلى مستويات أكثر اتساعًا. ولذلك، فإن الحديث عن مستقبل الحدود الجنوبية يرتبط بمجموعة من السيناريوهات، تبدأ من تثبيت التهدئة وتطبيق الترتيبات الأمنية، ولا تنتهي عند احتمال تجدد التصعيد.
وفي أي ترتيبات مستقبلية، يبرز دور الجيش اللبناني باعتباره مؤسسة وطنية أساسية في حماية الحدود والحفاظ على السيادة اللبنانية، فيما يبقى العامل الميداني أحد أبرز المحددات التي ستؤثر في شكل أي تفاهم سياسي أو أمني مقبل.
من اليمن إلى لبنان: تقاطع الجبهات يرسم المرحلة المقبلة
إن تقاطع التطورات بين الجبهة اليمنية والجبهة اللبنانية يعكس تحولًا أوسع في طبيعة الصراع الإقليمي. فالميدان بات يؤدي دورًا مباشرًا في تحديد سقف الخيارات السياسية، فيما أصبحت القدرات الهجومية والقدرة على تحمل تداعيات التصعيد جزءًا أساسيًا من حسابات الأطراف.
وفي ظل هذه المعادلات، تبدو القوى الدولية أمام تحدي التعامل مع واقع إقليمي أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد القرارات السياسية قادرة وحدها على فرض مسارات الصراع بمعزل عن موازين القوى على الأرض.
وفي المحصلة، فإن المرحلة المقبلة ستبقى محكومة بمدى قدرة الأطراف على تثبيت قواعد الاشتباك ومنع توسع المواجهة، فيما سيواصل الميدان رسم الحدود الفعلية لأي تسوية أو تصعيد. وبين اليمن ولبنان، تبدو الرسالة الأبرز أن المعادلات الجديدة لا تُكتب فقط على طاولة المفاوضات، بل تُرسم أولًا في الميدان.