اليمن يقلب الطاولة: كيف فرضت صنعاء شروطها وأربكت حسابات واشنطن والرياض؟
كتب الاعلامي حسين مرتضى
تشهد منطقة الشرق الأوسط إعادة صياغة متسارعة لخارطة التوازنات السياسية والعسكرية. فبين ميدان يتغير بسرعة ورسائل دبلوماسية تتبادل تحت الطاولة، لم تعد الشعارات هي التي تصنع الأثر، بل الوقائع الميدانية الصلبة هي التي تفرض جدول الأعمال. وفي قلب هذا المشهد المتغير، تقف “صنعاء” كرقم صعب يربك حسابات الإدارة الأمريكية ويضع الرياض أمام خيارات أحلاها مر.
تناقضات ترامب وسقوط رهانات توسيع الحرب
يبدأ المشهد من التناقض الواضح في تصريحات الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب؛ فبين التهديد والوعيد بتوسيع جبهات المواجهة، وبين التراجع والحديث عن تأجيل القرارات الحاسمة إلى ما بعد الاستحقاقات الانتخابية، ينكشف حجم التخبط داخل واشنطن.
هذا التذبذب ليس مجرد استراتيجية إعلامية، بل هو نتيجة اصطدام العقلية الأمريكية بحقيقة ميدانية مفادها: أن أي مجازفة لتوسيع رقعة الحرب ستؤدي فوراً إلى استهداف واشتعال القواعد والمصالح الأمريكية الممتدة في طول المنطقة وعرضها.
تحول استراتيجي: الاقتصاد السعودي تحت النار
على جبهة اليمن، لم تعد المعركة تنحصر في مواجهات برية أو دفاعية تقليدية، بل انتقلت صنعاء إلى إدارة معركة استراتيجية متكاملة الأركان تخاض في عدة أبعاد:
- الرد بالمثل والمعادلات المركبة: تطبيق معادلة “الحصار بالحصار، والقصف بالقصف، والمطار بالمطار، والمنشأة بالمسيرة”.
- استهداف العصب الاقتصادي: أدى التركيز على ضرب المنشآت الحيوية وحقول النفط بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة إلى تراجع تصدير النفط السعودي إلى مستويات متدنية، مما وضع الشرايين الاقتصادية الرئيسية للمملكة تحت الضغط المباشر.
هذا التحول هو ما دفع الرياض للبحث عن مخرج عاجل، بعدما أدركت أن المراهنة على حسم المعركة عسكرياً أو الاستعانة بقوات غير نظامية لم يعد يقي العمق الحيوي للمملكة تبعات المواجهة.
كواليس الدبلوماسية: تحالفات مأزومة ورسائل استنجاد
أمام هذا الوضع الميداني المعقد، جرت تحركات مكثفة لتشكيل تحالفات أو إيجاد مظلة حماية جديدة، إلا أن المعطيات تشير إلى انسداد هذا المسار:
- الموقف التركي والباكستاني: اقتصر التحرك على بيانات مواقف سياسية دون الاستعداد للانخراط الميداني أو تحمل التبعات العسكرية.
- الوساطة العمانية والصينية: أبدت الرياض مرونة عالية وأبدت استعدادها لترتيبات هدنة عبر سلطنه عمان، كما طلبت تدخلاً صينياً لدى طهران للضغط باتجاه وقف استهداف العمق السعودي. وجاء الرد اليمني واضحاً: القرار يمني بامتياز، والمعالجة يجب أن تستهدف أسباب الحرب (رفع الحصار وإنهاء العدوان) لا نتائجها فقط.
- الموقف الأمريكي المباشر: نقلت واشنطن في الغرف المغلقة نصيحة للرياض بضرورة فتح قنوات اتصال مباشرة مع صنعاء، معربة عن عدم رغبتها في التورط أكثر، وهو ما انعكس أيضاً في تواصل أمريكي غير مباشر عبر الوسيط العماني لنقل رسائل عدم الرغبة في التصعيد المباشر.
ورقة التجييش الطائفي وخطوط القيادة اليمنية
في خضم هذه التحركات، حذّر الخطاب الأخير للقيادة اليمنية (متمثلة بالسيد عبد الملك الحوثي) من المحاولات الخطيرة لاستغلال الورقة الطائفية أو إشاعة شائعات كاذبة تتحدث عن استهداف المقدسات في مكة المكرمة.
وجاء التأكيد اليمني حازماً بأن حماية المقدسات والحرص عليها هو واجب إسلامي لا مساومة عليه، وأن استخدام هذه الورقة لتهييج الشارع هو محاولة لتعويض الفشل العسكري. وأكد الخطاب أن زمن “الحلول الجزئية” أو “الهدن التحذيرية” قد انتهى، ولا خيار سوى الرفع الكامل للحصار والوقف التام للعدوان.
السيناريوهات المستقبلية: إلى أين تتجه الأمور؟
تتجه الأزمة نحو ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. الرضوخ والتفاوض المباشر (الأرجح): أن تجلس الرياض على طاولة تفاوض مباشر مع صنعاء لتلبية الشروط المتعلقة برفع الحصار، باعتباره الخيار الأقل تكلفة.
2. الاستمرار في التخبط والمراهنة على الوقت: مواصلة التعويل على الوعود الخارجية، مما يعني تلقي ضربات أشد قسوة على المنشآت الاقتصادية ودخول الاقتصاد في حالة شلل.
3. اتساع رقعة المواجهة: امتداد اللهيب ليشمل القواعد والمصالح الأمريكية بالكامل في حال ارتكاب أي حماقة عسكرية جديدة في المنطقة.
خلاصة: يؤكد المشهد الحالي أن اليمن اليوم يختلف تماماً عما كان عليه في بداية الحرب؛ فمن كان يراهن على حسم المعركة في أسابيع قليلة، بات اليوم يبحث عن وساطات وهدن متبادلة تمتد من مسقط إلى بكين.