بين الاستراتيجية الميدانية والمناورة الانتخابية: كيف سقط الرهان الأميركي على تعديل قواعد اللعبة؟
كتب الاعلامي حسين مرتضى
في خضمّ التطورات الميدانية المتسارعة، والتبدلات السياسية التي تشهدها المنطقة، تبدو المواجهة الحالية أبعد من كونها صراعاً عسكرياً محدوداً أو جولة جديدة من جولات الضغط السياسي. فالمشهد الإقليمي بات محكوماً بمعادلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الأهداف السياسية، فيما تحاول واشنطن وحلفاؤها إعادة رسم قواعد الاشتباك بما ينسجم مع مصالحهم وتوقيتهم السياسي.
لكن المشكلة الأساسية التي واجهت هذه المقاربة هي أن الميدان لم يتعامل مع الخطط الأميركية وفق الجدول الزمني الذي وضعته غرف القرار في واشنطن. فما كان يفترض أن يكون ضغطاً متدرجاً لإعادة ضبط التوازنات، تحوّل إلى اختبار حقيقي لقدرة الولايات المتحدة وحلفائها على فرض إرادتهم في بيئة إقليمية باتت أكثر قدرة على امتصاص الضغوط والرد عليها.
من «الرد المتناسب» إلى معادلة الردع
خلال السنوات الماضية، حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها تكريس مفهوم “الرد المتناسب”، بما يعني إبقاء المواجهة ضمن سقوف محددة، ومنع انتقالها إلى مستوى يهدد المصالح والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.
غير أن التطورات الميدانية أظهرت أن هذه المعادلة لم تعد ثابتة كما كانت. فكلما ارتفع مستوى الضغط، برزت في المقابل قدرة أكبر على الرد، سواء عبر الجبهات المباشرة أو جبهات الإسناد، الأمر الذي جعل فرض خطوط حمراء جديدة أكثر صعوبة.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بحجم الرد، بل بتغيير مفهوم الردع نفسه. فحين يصبح تجاوز الخطوط السيادية مرتبطاً باحتمال رد سريع ومؤلم، تتحول المعادلة من محاولة فرض قواعد اشتباك من طرف واحد إلى توازن أكثر تعقيداً، تصبح فيه كل خطوة عسكرية محسوبة على أساس كلفتها المحتملة.
وهنا تحديداً تظهر إحدى أبرز مشكلات المقاربة الأميركية: القدرة على إحداث أضرار عسكرية لا تعني بالضرورة القدرة على تحقيق الحسم السياسي. وبين الأمرين مسافة واسعة، خصوصاً في منطقة أثبتت تجاربها المتراكمة أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإنتاج تسويات سياسية مستقرة.
ترامب بين الميدان وصندوق الاقتراع
لا يمكن فصل هذا المشهد عن الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. فالإدارة الأميركية، كما هو معروف في التجربة السياسية الأميركية، تتعامل مع الملفات الخارجية أيضاً باعتبارها أدوات يمكن توظيفها في الداخل، ولا سيما عندما تقترب الاستحقاقات الانتخابية وتصبح صورة الرئيس وقدرته على تقديم “إنجازات” جزءاً من المعركة السياسية.
وفي حالة دونالد ترامب، تبدو هذه المعادلة أكثر وضوحاً، إذ تقوم فلسفته السياسية على تقديم صورة الرئيس القادر على فرض شروطه وتحقيق نتائج سريعة. لكن الشرق الأوسط لا يعمل بهذه السرعة، ولا يستجيب بالضرورة لمنطق الاستعراض السياسي أو الحسابات الانتخابية.
فالمشاريع التي كان يُراد لها أن تظهر باعتبارها إنجازات خاطفة، اصطدمت بواقع إقليمي مختلف. إيران تمتلك قدرة على الصمود والمواجهة، وجبهات الإسناد لا تتحرك بالضرورة وفق الإيقاع الذي تريده واشنطن، فيما أثبتت الوقائع أن الضغط العسكري يمكن أن ينتج في بعض الحالات نتائج معاكسة لما تريده الجهة التي أطلقته.
وهنا يصبح السؤال أكثر جوهرية: هل تستطيع الإدارة الأميركية فعلاً إنهاء المواجهة عندما تريد، أم أنها قادرة فقط على فتحها؟
هذه المعضلة هي جوهر الأزمة. فالبدء بالتصعيد قد يكون قراراً سياسياً، لكن التحكم بمساره ونهايته يحتاج إلى معطيات أخرى، بينها القدرة على ضبط الطرف المقابل، وضمان عدم توسع الجبهات، وتحمل الكلفة الاقتصادية والعسكرية والسياسية لأي مواجهة طويلة.
عندما تتحول الحرب إلى استنزاف
المشكلة الأكبر أمام الاستراتيجية الأميركية ليست في خسارة معركة واحدة أو فشل ضربة عسكرية محددة، بل في احتمال تحول المواجهة إلى حرب استنزاف مفتوحة.
في هذه الحالة، تصبح كل الإنجازات التكتيكية محدودة القيمة أمام الكلفة المتراكمة. فالمواجهة الطويلة تستنزف الموارد، وتضغط على الحلفاء، وتربك الأسواق، وتفتح المجال أمام تطورات لا يمكن التحكم بها بسهولة.
ومن هنا، فإن الرهان على حسم سريع قد يتحول إلى عبء سياسي عندما لا يتحقق الحسم. فكل يوم إضافي في المواجهة يفرض أسئلة جديدة حول الأهداف، والكلفة، والقدرة على الاستمرار، والنتيجة النهائية التي يمكن تقديمها للرأي العام الأميركي.
وبالتالي، فإن الفارق بين “الانتصار التكتيكي” و “النتيجة الاستراتيجية” يصبح أكثر وضوحاً. قد تتمكن قوة ما من تنفيذ عملية أو توجيه ضربة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها نجحت في تغيير قواعد اللعبة.
معركة الرواية: عندما يصبح التضليل جزءاً من المعركة
ومع تعقّد المشهد الميداني، انتقلت المواجهة بصورة متزايدة إلى الفضاء الإعلامي والرقمي. فالحرب الحديثة لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل أصبحت الصورة والمعلومة والفيديو والرواية جزءاً من أدوات الاشتباك.
في هذا السياق، برز استخدام واسع للمحتوى الرقمي المضلل، بما في ذلك المقاطع المصنّعة والتقنيات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، بهدف صناعة مشاهد وانتصارات افتراضية والتأثير في معنويات الجمهور.
لكن المشكلة بالنسبة إلى هذه الأدوات أن عمر الرواية المصطنعة بات أقصر من أي وقت مضى. فالمتلقي أصبح أكثر قدرة على المقارنة والتحقق، فيما تستطيع التقنيات نفسها التي تُستخدم لصناعة التضليل أن تُستخدم لكشفه وتفكيكه.
ولذلك، فإن معركة الصورة لا تستطيع وحدها تغيير حقيقة الميدان. قد تنجح في التأثير المؤقت على الجمهور، لكنها لا تستطيع احتلال الأرض، ولا تغيير موازين القوى، ولا فرض تسوية سياسية مستقرة.
الميدان هو من يكتب الخاتمة
في النهاية، تبدو المنطقة أمام مرحلة لا يمكن فيها اختزال الصراع بمعادلة «ضربة مقابل ضربة»، أو «تصعيد مقابل تهدئة». نحن أمام صراع على قواعد اللعبة نفسها: من يحددها؟ ومن يملك القدرة على فرضها؟ ومن يستطيع تحمل نتائجها؟
لقد أظهرت التطورات أن محاولة تعديل قواعد الاشتباك بالقوة وحدها لا تضمن تحقيق الأهداف السياسية، وأن الحسابات الانتخابية في واشنطن لا تستطيع بالضرورة أن تفرض إيقاعها على جبهات المنطقة.
فالشرق الأوسط لا يُدار من خلال المؤتمرات الصحافية ولا من خلال مقاطع الفيديو المصنّعة ولا عبر رفع سقف التهديدات. في النهاية، هناك ميدان، وهناك قدرات، وهناك إرادة سياسية، وهناك شعوب تدفع ثمن الحروب وتحدد في نهاية المطاف مدى قدرة أي مشروع على الاستمرار.
ولذلك، فإن المعادلة الأكثر واقعية اليوم هي أن أي محاولة لفرض شروط جديدة تحتاج أولاً إلى امتلاك القدرة على تثبيتها. وإذا لم تتوافر هذه القدرة، فإن الضغط يتحول تدريجياً إلى استنزاف، والاستعراض إلى مأزق، والمناورة الانتخابية إلى اختبار حقيقي لحدود القوة الأميركية.
وفي هذه المنطقة تحديداً، قد تبدأ الحرب بقرار من غرفة عمليات، لكن نهايتها لا يكتبها دائماً من اتخذ قرار البدء.