بين الردع والاستنزاف: كيف أعادت المواجهة مع إيران رسم الحسابات الأمريكية؟

كتب الاعلامي حسين مرتضى

لم يعد المشهد الإقليمي يُقرأ من زاوية الاستعدادات العسكرية وحدها، بل من خلال التوازن الدقيق بين القدرة على شن الحرب والقدرة على تحمل نتائجها. فخلال الأيام الماضية، بدت المنطقة وكأنها تقف على أعتاب مواجهة عسكرية واسعة، بعد اكتمال مؤشرات سياسية وأمنية وعسكرية أوحت بأن قرار الهجوم بات قريباً. غير أن الساعات الأخيرة حملت تحولاً لافتاً، تمثل في تراجع احتمالات الانفجار وعودة الوساطات الإقليمية إلى الواجهة، في مشهد يعكس حجم التعقيد الذي بات يحكم العلاقة بين واشنطن وطهران.

المعطيات المتوافرة تشير إلى أن الولايات المتحدة، رغم استكمال جانب كبير من استعداداتها، فضّلت إفساح المجال أمام المسار السياسي، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية قادتها سلطنة عُمان وقطر وباكستان، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة. ولم يعد الملف الإيراني مقتصراً على البرنامج النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل أصبح جزءاً من شبكة مترابطة تضم أمن الملاحة في البحر الأحمر، والحصار البحري، ومستقبل مضيق هرمز، والأموال الإيرانية المجمدة، إضافة إلى ترتيبات الأمن الإقليمي.

هذا التشابك يؤكد أن أي اتفاق مستقبلي لن يكون اتفاقاً تقنياً أو نووياً فحسب، بل سيكون بمثابة إعادة رسم لمعادلات الأمن والنفوذ في غرب آسيا، وهو ما يفسر حجم الضغوط المتبادلة قبل الوصول إلى أي صيغة تفاهم.

لكن ما يلفت الانتباه في الحسابات الأمريكية ليس فقط الجانب السياسي، وإنما المعضلة العسكرية التي فرضتها التطورات الميدانية الأخيرة. فقد أثبتت المواجهات السابقة أن استراتيجية الجمع بين الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة والصواريخ الباليستية قادرة على إنهاك أكثر منظومات الدفاع الجوي تطوراً، عبر استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية وإرباك غرف العمليات.

وتكمن المشكلة الأساسية بالنسبة للبنتاغون في أن كلفة الدفاع أصبحت أعلى بكثير من كلفة الهجوم. فكل صاروخ اعتراض يتم إطلاقه يمثل استنزافاً لقدرات يصعب تعويضها بسرعة، في حين أن خطوط الإنتاج العسكرية لا تستطيع مواكبة حجم الاستهلاك المتوقع في حال اندلاع مواجهة طويلة. لذلك، فإن هاجس استدامة المظلات الدفاعية لحماية القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة بات أحد أهم العوامل التي تؤثر في القرار العسكري الأمريكي.

وفي موازاة ذلك، تبرز إشكالية أخرى تتعلق بطبيعة المنشآت النووية الإيرانية، التي جرى تشييد عدد كبير منها داخل الجبال وتحت طبقات صخرية سميكة، بما يجعل تدميرها بالكامل عبر الضربات الجوية التقليدية أمراً بالغ الصعوبة، حتى باستخدام القنابل الخارقة للتحصينات.

ومن هنا، ظهرت خلال النقاشات العسكرية سيناريوهات تتحدث عن عمليات إنزال محدودة أو توغل بري لقوات خاصة بهدف استهداف هذه المنشآت من الداخل. إلا أن هذه الخيارات تصطدم بتحذيرات جدية من احتمال الانزلاق إلى حرب برية طويلة ومعقدة، في ظل استعدادات دفاعية إيرانية متراكمة، وشبكة واسعة من التحصينات والقدرات الصاروخية التي تجعل أي عملية برية محفوفة بمخاطر استراتيجية كبيرة.

وفي ضوء هذه المعطيات، بدأت العديد من دول المنطقة بإعادة تقييم منظوماتها الدفاعية، والبحث عن خيارات جديدة تقلل من الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية. فبرزت نقاشات حول تنويع مصادر التسليح، والاتجاه نحو منظومات دفاع جوي بديلة، وتعزيز التعاون العسكري مع قوى إقليمية ودولية أخرى، بما يعكس بداية تشكل ترتيبات أمنية أكثر مرونة، تتناسب مع التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم.

أما لبنان، فلا يزال، وفق هذه القراءة، يتأثر بصورة مباشرة بمسار العلاقة الإيرانية–الأمريكية. فالتطورات الداخلية لا تنفصل عن مسار المفاوضات الإقليمية، وأي تقدم أو تعثر في هذا المسار ستكون له انعكاسات سياسية وأمنية على الساحة اللبنانية. ومن هذا المنطلق، تبدو محاولات مقاربة بعض الملفات اللبنانية بمعزل عن المشهد الإقليمي قراءة غير واقعية، لأن موازين القوى الميدانية تظل العامل الأكثر تأثيراً في رسم حدود التفاوض وصياغة أي ترتيبات مستقبلية.

وفي ختام هذه القراءة، عُرضت بيانات منسوبة إلى مصادر إيرانية، قالت إنها استندت إلى صور أقمار صناعية ورصد ميداني، وتتحدث عن أضرار لحقت بعدد من القواعد الأمريكية خلال الفترة الأخيرة، شملت مراكز قيادة وتحكم، ورادارات ومنظومات دفاع جوي، ومنشآت لوجستية، ومستودعات وقود وقطع غيار، إضافة إلى طائرات ومسيّرات كانت موجودة على الأرض. ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من هذه البيانات، وهي تظل جزءاً من الرواية الصادرة عن تلك المصادر.

إن ما تشهده المنطقة اليوم يتجاوز مجرد تبادل للرسائل العسكرية، فهو يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة الصراع ومعادلات الردع. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالتفوق الناري وحده، بل بقدرة الأطراف على إدارة الاستنزاف، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، وتأمين استدامة القدرات العسكرية والاقتصادية في آن واحد. ولهذا، تبدو واشنطن أكثر حذراً في اتخاذ قرار المواجهة، فيما تواصل طهران توظيف عناصر القوة التي راكمتها خلال السنوات الماضية لفرض معادلات جديدة على طاولة التفاوض.

وبين احتمالات التصعيد وفرص التسوية، يبقى الشرق الأوسط أمام مرحلة دقيقة، عنوانها أن ميزان الردع لم يعد يُقاس بحجم الترسانات العسكرية فحسب، بل بمدى قدرة كل طرف على تحمل حرب طويلة، وإدارة تداعياتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، في إقليم يشهد إعادة رسم متسارعة لموازين القوى.