تحالف باكستان وتركيا والسعودية.. هل يتشكل القطب الإقليمي الجديد؟

كتب الإعلامي حسين مرتضى

تدخل المنطقة مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات، في ظل تحولات متسارعة على المستويات السياسية والأمنية والعسكرية. وفي هذا السياق، تبرز التحركات المتزايدة بين السعودية وتركيا وباكستان، وما يُتداول عن تفاهمات أو اتفاقية أمنية واستراتيجية مرتقبة بين الدول الثلاث، باعتبارها مؤشراً يستحق التوقف عنده، ليس فقط لجهة أبعاده الثنائية أو الثلاثية، بل لما يمكن أن يحمله من تداعيات على موازين القوى في الإقليم.

السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن أمام تفاهم أمني مؤقت فرضته التطورات الراهنة، أم أمام محاولة فعلية لتشكيل قطب إقليمي جديد يمتلك هامشاً أكبر من الاستقلالية في إدارة ملفات المنطقة؟

تحالف يتجاوز الحسابات الأمنية

إن أي تفاهم بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد لا يمكن قراءته بمعزل عن البيئة الإقليمية المتوترة. فالدول الثلاث تمتلك إمكانات سياسية وعسكرية واقتصادية متفاوتة، لكنها تشترك في امتلاك أوراق تأثير مهمة.

تركيا تمثل قوة عسكرية واقتصادية وازنة وعضواً في حلف شمال الأطلسي، فيما تمتلك باكستان جيشاً كبيراً وقدرات عسكرية متقدمة، بينها القدرة النووية. أما السعودية، فتملك ثقلًا اقتصادياً وسياسياً كبيراً، فضلاً عن موقعها الجغرافي وتأثيرها في العالمين العربي والإسلامي.

ومن هنا، فإن أي صيغة للتعاون الأمني بين هذه الدول قد تعني عملياً جمع الثقل الاقتصادي السعودي، والقوة العسكرية الباكستانية، والنفوذ السياسي والعسكري التركي ضمن إطار واحد، وهو ما يمكن أن يمنح هذا التكتل قدرة أكبر على المناورة في ملفات المنطقة.

لكن يبقى السؤال الأهم: ما الهدف الحقيقي من هذا التقارب؟

هل هو بناء منظومة أمن إقليمي قادرة على حماية مصالح الدول الثلاث؟ أم أنه يأتي في إطار محاولة إيجاد توازن جديد في مواجهة التحديات التي فرضتها التطورات الأخيرة، بما فيها الحرب على غزة، والتوترات في لبنان، والتصعيد في اليمن، والتوترات الممتدة من العراق إلى الخليج؟

هل بدأت الرياض تبحث عن بديل للضمانة الأميركية؟

ربما يكون الجانب الأكثر أهمية في هذه التحركات مرتبطاً بمسألة الأمن السعودي والخليجي.

لسنوات طويلة، قامت المعادلة الأمنية في الخليج على حضور أميركي مباشر وغير مباشر، وعلى اعتبار واشنطن الضامن الأساسي لأمن عدد من دول المنطقة. إلا أن التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة طرحت علامات استفهام حول مدى قدرة الولايات المتحدة على توفير حماية مطلقة لحلفائها في حال اندلاع مواجهة إقليمية واسعة.

الهجمات التي طالت منشآت ومصالح حيوية في المنطقة، والتصعيد المتكرر في الخليج والبحر الأحمر، إضافة إلى التطورات العسكرية المتلاحقة، عززت لدى بعض دول المنطقة قناعة مفادها أن الاعتماد على الحماية الخارجية وحدها لم يعد كافياً.

من هنا يمكن فهم سعي الرياض إلى تنويع شراكاتها الأمنية والعسكرية، وعدم حصر خياراتها في العلاقة مع واشنطن.

وهذا لا يعني بالضرورة أن السعودية تتجه إلى القطيعة مع الولايات المتحدة، بل قد يكون الهدف هو امتلاك خيارات متعددة وعدم وضع الأمن الوطني تحت سقف علاقة واحدة.

تركيا وباكستان.. شريكان بموقع مختلف

بالنسبة إلى تركيا، فإن أي تعاون أمني مع السعودية وباكستان يمنح أنقرة فرصة لتعزيز حضورها في منطقة الخليج والعالم الإسلامي، وتوسيع شبكة علاقاتها الاستراتيجية بعيداً عن الإطار التقليدي للعلاقات التركية الغربية.

أما باكستان، فتملك خصوصية مختلفة. فهي دولة ذات قدرات عسكرية كبيرة، ولها علاقات تاريخية مع السعودية، كما تربطها بتركيا شراكات سياسية وعسكرية متنامية.

وبالتالي، فإن دخول إسلام آباد على خط أي ترتيبات أمنية جديدة يمكن أن يحمل رسالة تتجاوز التعاون التقليدي، خصوصاً إذا تطورت هذه التفاهمات إلى آليات دفاع مشترك أو تنسيق عسكري أكثر تنظيماً.

وهنا تبرز مسألة حساسة: هل يمكن أن يتحول هذا التعاون إلى منظومة ردع إقليمية؟

الإجابة لا تزال مرتبطة بطبيعة الاتفاق الذي يمكن أن يتم التوصل إليه، ومدى التزام الأطراف الثلاثة بتحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات عسكرية وأمنية فعلية.

غزة ولبنان واليمن.. العامل الإقليمي الحاضر

لا يمكن فصل هذه التحركات عن المشهد الفلسطيني والإقليمي.

فالحرب على غزة أعادت ترتيب العديد من الحسابات في المنطقة، وأظهرت وجود فجوة متزايدة بين المواقف الشعبية والرسمية من جهة، وبين السياسات الغربية من جهة أخرى.

كما أن التطورات في لبنان واليمن والعراق والبحر الأحمر جعلت الأمن الإقليمي مترابطاً بصورة غير مسبوقة. فأي مواجهة واسعة في جبهة واحدة يمكن أن تنعكس سريعاً على بقية الجبهات، سواء عبر الاستهداف العسكري أو الاقتصاد أو أمن الطاقة والممرات البحرية.

ومن هنا، فإن الحديث عن اتفاق أمني ثلاثي لا يمكن اختزاله بالبعد الدفاعي فقط. فقد يكون جزءاً من عملية أوسع لإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي، بحيث لا يبقى هذا المفهوم حكراً على القوى الدولية الموجودة عسكرياً في المنطقة.

ماذا تريد الولايات المتحدة؟

في المقابل، تبدو واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد.

فالولايات المتحدة لا تريد الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة ومباشرة، خصوصاً في ظل الكلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية لأي مواجهة واسعة. وفي الوقت نفسه، لا تبدو مستعدة للتخلي عن نفوذها ومصالحها وشبكة تحالفاتها في المنطقة.

وبحسب القراءة التي تفرض نفسها على المشهد، قد تسعى واشنطن إلى اعتماد سياسة تقوم على خفض مستوى المواجهة المباشرة مع إيران، مع الإبقاء على أدوات الضغط والتوتر الإقليمي عبر حلفاء وشركاء محليين.

الهدف من ذلك قد يكون تقليل احتمالات استهداف القوات والقواعد الأميركية، مع الحفاظ على مستوى من التوتر يمنع تشكل منظومة إقليمية موحدة ومستقلة بالكامل عن النفوذ الأميركي.

فواشنطن تدرك أن خروجها الكامل من المشهد ليس خياراً سهلاً، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الانخراط العسكري المباشر يحمل مخاطر كبيرة.

هل نحن أمام ولادة محور جديد؟

حتى الآن، من المبكر الحديث عن ولادة تحالف إقليمي متكامل بالمعنى العسكري والسياسي للكلمة. فالمصالح بين السعودية وتركيا وباكستان ليست متطابقة في جميع الملفات، ولكل دولة حساباتها الخاصة وعلاقاتها الدولية والإقليمية.

لكن المؤشرات المتراكمة تكشف عن اتجاه واضح نحو تنويع الشراكات وبناء قدرات إقليمية مستقلة نسبياً عن المظلة الأميركية.

وهذا بحد ذاته تطور مهم.

فإذا نجحت الدول الثلاث في تحويل التعاون الأمني إلى منظومة مؤسساتية تشمل التدريب والتسليح وتبادل المعلومات والتنسيق السياسي، فقد نكون أمام ولادة إطار جديد يمكن أن يغير جزءاً من معادلات القوة في المنطقة.

أما إذا بقيت التفاهمات في إطار البيانات والزيارات والاتفاقيات الثنائية، فقد لا تتجاوز كونها محاولة لتنسيق المواقف في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.

المنطقة أمام إعادة تشكيل واسعة

ما يجري اليوم لا يتعلق باتفاق أمني واحد، بل بمسار أوسع لإعادة تشكيل المنطقة.

فدول الإقليم باتت تدرك أن المرحلة المقبلة لن تشبه ما قبلها، وأن الاعتماد على قوة دولية واحدة لضمان الأمن لم يعد خياراً مضموناً كما كان في السابق.

ومن السعودية إلى تركيا وباكستان، ومن إيران إلى العراق ولبنان واليمن، تتشكل تدريجياً شبكة جديدة من العلاقات والتفاهمات والتقاطعات.

ويبقى السؤال: هل نشهد فعلاً ولادة قطب إقليمي جديد، أم أن هذه التحركات ليست سوى إعادة تموضع مؤقتة في انتظار اتضاح شكل النظام الإقليمي المقبل؟

الإجابة ستتحدد في الميدان، وفي قدرة هذه الدول على الانتقال من مستوى التنسيق السياسي إلى مستوى بناء منظومة أمنية واستراتيجية متماسكة.

لكن المؤكد أن زمن التحالفات التقليدية في المنطقة يتغير، وأن دول الإقليم باتت تبحث بصورة متزايدة عن معادلات أمنية لا تعتمد بالكامل على القوى الخارجية.