ترامب خسر الحرب… والإمام الشهيد وحّد الساحات

كتب الإعلامي حسين مرتضى

عندما اتخذت الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، وبالشراكة الكاملة مع “إسرائيل”، قرار شن الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لم يكن الهدف مجرد توجيه ضربات عسكرية أو استهداف منشآت وبنى تحتية، بل كان المشروع أكبر بكثير.

كان الرهان الأمريكي يقوم على إسقاط النظام الإسلامي في إيران، وكسر إرادة الدولة، وإحداث انهيار داخلي يفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة المنطقة بما يتوافق مع المصالح الأمريكية و”الإسرائيلية”. كانت الحسابات في واشنطن وتل أبيب تقوم على أن الضربات العسكرية، مقرونة بالضغوط السياسية والاقتصادية والإعلامية، ستؤدي إلى انهيار القيادة الإيرانية، وستنعكس تلقائيًا على كل قوى المقاومة في المنطقة، فتتفكك الجبهات، وتضعف الساحات، ويصبح كل طرف منشغلًا بأزماته الداخلية.

لكن ما حدث على أرض الواقع جاء معاكسًا تمامًا لهذه التقديرات.

فالجمهورية الإسلامية لم تسقط، ولم تنهَر مؤسساتها، ولم تتراجع عن خياراتها الاستراتيجية، بل تمكنت من إدارة المواجهة، واستعادت زمام المبادرة، وأثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع كسر دولة تمتلك إرادة سياسية وشعبية وعقيدة راسخة.

أما “إسرائيل”، التي دخلت الحرب وهي تتوقع تحقيق انتصار تاريخي، فقد وجدت نفسها أمام جبهة داخلية مثقلة بالضغوط، وأمام استنزاف سياسي وعسكري، فيما بدأت الأسئلة تتصاعد داخل المجتمع “الإسرائيلي” حول جدوى هذه الحرب وأهدافها الحقيقية.

لكن المشهد الأكثر دلالة لم يكن في ميادين القتال فقط، بل في ما جرى بعد استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي. فمنذ اللحظة الأولى التي أُعلن فيها نبأ استشهاده، حاولت الإدارة الأمريكية و”إسرائيل” تصوير الحدث على أنه نهاية مرحلة وانهيار لمحور المقاومة، وأن غياب القائد سيؤدي إلى فراغ سياسي وعسكري ينعكس على كل ساحات المنطقة.

غير أن المشهد الذي تشكل لاحقًا حمل رسالة مختلفة تمامًا.

الملايين التي خرجت في إيران والعراق ولبنان واليمن ودول أخرى لم تكن مجرد جماهير تشارك في مراسم تشييع، بل كانت تعلن أن المشروع الذي استهدف إسقاط الجمهورية الإسلامية انتهى إلى نتيجة معاكسة، وأن الدم الذي أُريق أصبح عامل وحدة جديدة بين شعوب المنطقة.

ومن هنا تكتسب ساحة ثورة العشرين في النجف الأشرف رمزيتها العميقة.

فهذه الساحة ليست مجرد مكان لإقامة مراسم التشييع، بل هي عنوان تاريخي لمقاومة الاحتلال والهيمنة الأجنبية، ومنها تنطلق رسالة تؤكد أن الشعوب التي واجهت الاحتلال قبل أكثر من قرن ما زالت متمسكة بخيارها في مواجهة مشاريع الهيمنة مهما تبدلت الأدوات والوجوه. عندما يصل جثمان الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي إلى النجف الأشرف، فإن الرسالة تتجاوز حدود العراق وإيران، لتصل إلى كل المنطقة، ومفادها أن الحرب التي أرادها ترامب وسيلة لتفكيك الساحات، تحولت إلى مناسبة لإعادة توحيدها.

لقد كان الهدف إسقاط النظام، فإذا بالنظام أكثر تماسكًا.

وكان الهدف إنهاء محور المقاومة، فإذا بالساحات تتقارب أكثر من أي وقت مضى.

وكان الهدف بث الخوف والانقسام، فإذا بدماء الإمام الشهيد توحّد الشعوب وتعيد إنتاج حالة من الالتفاف الشعبي والسياسي حول خيار المقاومة.

لقد أثبتت هذه التجربة أن القادة قد يستشهدون، لكن المشاريع التي يحملونها لا تُدفن معهم، بل قد تزداد حضورًا وتأثيرًا. والتاريخ مليء بالشواهد التي تؤكد أن دماء الشهداء كانت في كثير من الأحيان نقطة التحول التي غيّرت موازين القوى، ورسخت معادلات جديدة.

اليوم، يقف ترامب ومن راهن على هذه الحرب أمام حصيلة مختلفة تمامًا عما خُطط له. فلا النظام سقط، ولا الجبهات تفككت، ولا الساحات انهارت، بل إن المنطقة تدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز التنسيق بين قوى المقاومة، وترسيخ قناعة بأن المواجهة لم تعد معركة حدود، بل معركة إرادات ومصير.

ولهذا، فإن مشهد تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي لن يُقرأ بوصفه مراسم وداع لقائد كبير فحسب، بل بوصفه إعلانًا سياسيًا وشعبيًا بأن مشروع المقاومة مستمر، وأن الدم الذي سقط في مواجهة العدوان الأمريكي و”الإسرائيلي” أصبح عنوانًا لوحدة الساحات، وبداية لمرحلة جديدة ستُبنى على التضحيات، وصولًا إلى ما يؤمن به أبناء هذه المنطقة من نصر يرونه أقرب من أي وقت مضى.